اللواء محمد الشهاوي يكشف أسرار الملحمة السرية لقوات الحرب الكيميائية في أكتوبر
قال اللواء أركان حرب دكتور محمد الشهاوي، زميل الأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والاستراتيجية، ورئيس أركان الحرب الكيميائية الأسبق، إن قوات الحرب الكيميائية تُعرف بأنها السلاح المسؤول عن إعداد وتجهيز القوات المسلحة للعمل تحت ظروف استخدام العدو لأسلحة الدمار الشامل (النووية، الكيميائية، والبيولوجية)، موضحًا أن هذه القوات تعتمد على منظومات متطورة للاستطلاع الكيميائي والإشعاعي، وأجهزة رصد متقدمة تعمل بأشعة الليزر لتحديد نوع الغازات الحربية ودرجة تركيزها من مسافات بعيدة لتسهيل التعامل معها.
وأوضح "الشهاوي"، خلال لقائه مع الإعلامي ياسر فضة، ببرنامج "فوكس"، المذاع على قناة "الشمس"، أنه في حرب أكتوبر 1973، تجسد دور قوات الحرب الكيميائية في رفع كفاءة المقاتل المصري عبر تدريبات صارمة ومنافسات قياسية لارتداء الأقنعة الواقية ومعدات الحماية الذاتية، وتحصين الجنود ضد الآثار الناتجة عن أي هجوم غير تقليدي، بما في ذلك عواقب الانفجارات النووية مثل العياء الذري وموجات الضغط والحرارة العالية.
ولفت إلى أنه لم يقتصر دور الحرب الكيميائية على الوقاية فحسب، بل امتد ليكون ركيزة أساسية في إحباط المخططات النفسية والدفاعية للاحتلال الإسرائيلي، وعلى رأسها منظومة المانع الحارق على خط بارليف، موضحًا أن العدو كان يمتلك شبكة معقدة تتكون من 332 ماسورة ضخمة بقطر 6 بوصات، صُممت لضخ مواد كيميائية حارقة فوق سطح قناة السويس لتحويلها إلى جحيم مستعر يحرق القوات العابرة.
وقبيل الحرب، شنت إسرائيل حربًا نفسية عبر مكبرات الصوت لتهديد الجنود المصريين بالإحالة إلى رماد، إلا أن عبقرية الإعداد المصري قطعت الطريق على هذا المخطط عبر مسارين، أولهما أن القوات الكيميائية نجحت في اختراع مادة كيميائية خاصة عولجت بها ملابس أفرولات الجنود والضباط لتصبح مقاومة للاحتراق، علاوة على سد الشرايين الحارقة.
ففي ليلة 5 أكتوبر وصباح 6 أكتوبر، نفذ رجال المهندسين العسكريين والصاعقة البحرية ملحمة سرية بالسباحة نحو الشاطئ الشرقي، وسد الفتحات الـ 332 بمادة إسمنتية خاصة، وعندما حاولت إسرائيل تفعيل المنظومة لعرقلة العبور، أصيبت بالشلل التام، لتندلع الحرب في تمام الساعة الثانية ظهرًا وسط ذهول قيادات تل أبيب.
وأشار إلى أنه خلال معارك العبور، تولت قوات الحرب الكيميائية مهمة تأمين الكباري الحقيقية والمنافذ التي تدفقت عبرها الدبابات والمشاه، واستخدمت القوات مولدات دخان متطورة وصواريخ دخانية مخصصة لإيجاد ستائر وتعمية هوائية واسعة النطاق، مؤكدًا أن هذا التكتيك أدى إلى انعدام الرؤية لدى الطيران الإسرائيلي وعناصر الرصد والاستطلاع على الجانب الآخر، مما حرمهم من دقة التنشين، وأتاح للقوات المصرية اقتحام وحصار النقط الحصينة لخط بارليف والسيطرة على نصفها بحلول منتصف يوم السادس من أكتوبر.
وأكد أن قوات الحرب الكيميائية تتحرك وفق عقيدة عسكرية راسخة تُعرف بـ"معركة الأسلحة المشتركة الحديثة"، حيث تعمل جميع الأسلحة (مشاة، مدفعية، مدرعات، مهندسين) في تناغم تام لتأمين السيطرة على الأرض والوقاية من التهديدات، موضحًا أنه مع الانتقال إلى العصر الحديث وصولاً إلى أحداث ثورة 30 يونيو وما تلاها، برز دور هذا السلاح في أوقات السلم كخط دفاع صحي وبيئي عن الجبهة الداخلية.
وتمثل ذلك بوضوح خلال جائحة فيروس كورونا عام 2019، حيث انتشرت المركبات والمعدات الضخمة لقوات الحرب الكيميائية في شوارع وميادين مصر، لتطهير المنشآت الحيوية، المساجد، الكنائس، الجامعات، ومحطات السكك الحديدية باستخدام محاليل ومواد تطهيرية معيارية، باعتبار الوباء أحد أشكال التهديد البيولوجي، لتظل قوات الحرب الكيميائية، بملاحمها القديمة والحديثة، نموذجًا للعبقرية العسكرية المصرية القادرة على صياغة النصر وحفظ أمن واستقرار الوطن في كل المحافل.



