رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري
الجمهور الإخباري
رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري

من النقراشي لـ إبراهيم.. «وزير الداخلية» الهدف رقم 1 في تاريخ اغتيالات الإخوان

 تاريخ اغتيالات الإخوان
تاريخ اغتيالات الإخوان

في تمام الساعة العاشرة والنصف من صباح الخامس من سبتمبر 2013، لم يكن شارع مصطفى النحاس بحي مدينة نصر يدرك أنه على موعد مع مشهد سيعيد صياغة استراتيجية المواجهة بين الدولة المصرية والإرهاب الأسود. دويّ انفجار هائل اهتزت له أركان العاصمة، لم يكن مجرد حادث عابر، بل كان بمثابة إعلان رسمي عن دخول مصر عصر "السيارات المفخخة والانتحاريين"، مقتبسةً أبشع سيناريوهات الدم من الساحات الإقليمية الملتهبة.

 كواليس دقيقة وصراع اللحظات الأخيرة

وفقا للتحقيقات الرسمية الناتجة عن فحص مسرح الجريمة، رصدت الخلية المنفذة خط السير اليومي المعتاد لوزير الداخلية آنذاك، اللواء محمد إبراهيم، بدقة متناهية. على جانب الطريق المزدحم، ركن الإرهابيون سيارة مفخخة من طراز "هيونداي إلنترا" فضية اللون، محشوة بـ 75 كيلوجراما من مادة الـ TNT شديدة الانفجار.

بمجرد ظهور موكب الوزير المحاط بالحراسة، تداخلت السيارة المفخخة لتستهدف سيارة الوزير الـ "مرسيدس" المصفحة. هنا، لعبت الأقدار دورها؛ 10 ثوانٍ فقط كانت الفاصل الزمني بين النجاة والموت. تحرك الموكب بسرعة بددت الحسابات الدقيقة للانتحاري، لتتلقى سيارة الحراسة الأمامية الكتلة الصدمية الأكبر للموجة الانفجارية.

خلّف الانفجار دمارا واسعا؛ تحطمت واجهات عدة طوابق بالعقارات المجاورة، وتفحمت السيارات المتوقفة، وأسفر الحادث عن إصابة 10 من رجال الشرطة (بينهم 4 ضباط إصاباتهم حرجة) و11 مواطنا من المارة، كان من بينهم طفل في السابعة من عمره دفع ثمن الغدر الإرهابي ببتر في قدمه اليمنى.

 مفاجأة المختبر الجنائي.. "الرائد" و"ضابط الصاعقة"

التحقيقات الأمنية التي تولاها قطاع الأمن الوطني فجّرت مفاجأة مدوية بعد تحليل الحمض النووي (DNA) للأشلاء الآدمية المتبقية في ذروة الانفجار:

الانتحاري المنفذ.. تبين أنه وليد بدر، وهو رائد سابق فُصل من القوات المسلحة المصرية نتيجة اعتناقه أفكارا تكفيرية متطرفة، وسافر إلى أفغانستان وسوريا حيث تلقى تدريبات متقدمة على يد تنظيم "القاعدة"، قبل أن يعود ليصبح الذراع الانتحارية لتنظيم "أنصار بيت المقدس".

العقل المدبر والمخطط لم يكن سوى الإرهابي الخطير هشام عشماوي (ضابط الصاعقة المفصول الذي أُعدم لاحقاً)، والذي تولى شخصيا عمليات الرصد الميداني وتفخيخ السيارة، وجلس في محيط الحادث السكني لتوثيق التفجير بكاميرته لاستخدامه في الحرب النفسية ضد الدولة.

 التوقيت والدلالة.. لماذا محمد إبراهيم؟

لم يكن اختيار اللواء محمد إبراهيم عشوائياً، فالرجل كان يمثل رأس الحربة الأمنية للدولة المصرية؛ حيث جاءت المحاولة بعد أقل من شهر واحد على فض اعتصامي رابعة العدوية والنهضة (14 أغسطس 2013). أراد التنظيم، عبر ضرب المسؤول التنفيذي الأول عن قرار الفض، توجيه "ضربة قاصمة" تكسر الروح المعنوية لجهاز الشرطة بالكامل، وتثبت عدم قدرة الدولة على حماية قياداتها في قلب العاصمة.

"وزير الداخلية" عقيدة تصفية ممتدة عبر الأجيال

من يقرأ كواليس محاولة اغتيال اللواء محمد إبراهيم في 2013، يدرك سريعا أنها لم تكن وليدة اللحظة، بل هي امتداد لـ "جينات تدميرية" عمرها عقود. فتاريخ جماعة الإخوان المسلمين مع العنف السياسي يثبت أن "وزير الداخلية" بالذات، أو المسؤول الأمني الأول، هو الهدف الدائم والثابت في عقيدتهم؛ فكلما اصطدمت الجماعة بالدولة أو واجهت قرارات حل وتضييق قضائي، ارتدت فوراً إلى مربع التصفيات الجسدية عبر جناحها العسكري.

 عباءة "النظام الخاص" الدموية

منذ أن أسس حسن البنا "النظام الخاص" (الجناح العسكري السري للتنظيم)، وُضعت العقيدة القتالية لاستهداف رجالات الدولة الأقوياء:

محاولة اغتيال مصطفى النحاس باشا (1945): تعرض رئيس الوزراء ووزير الداخلية الأسبق لعدة محاولات اغتيال فاشلة بسبب مواقفه السياسية التي اصطدمت بمصالح الجماعة الناشئة.

اغتيال القاضي أحمد الخازندار (مارس 1948): حين تجرأ القضاء على معاقبة عناصر الجماعة المتورطين في تفجيرات دار سينما مترو بالسجن، كان الرد الفوري بتصفيته جسدياً أمام منزله في حلوان برصاص عضوي النظام الخاص (حسن عبد الحافظ ومحمود زينهم).

اغتيال النقراشي باشا (ديسمبر 1948) - الجريمة الأبرز في العصر الملكي: عندما فاض الكيل بالدولة المصرية جراء ممارسات الإخوان وسلاحهم السري، أصدر رئيس الوزراء ووزير الداخلية آنذاك، محمود فهمي النقراشي، قراراً تاريخياً بحل الجماعة وتأميم مقارها. لم تمر سوى أسابيع قليلة حتى نفذ التنظيم حكم الإعدام الذي صاغه في خفائه؛ تخفى العضو الإخواني (عبد المجيد أحمد حسن) في زي ضابط شرطة، ووقف في بهو وزارة الداخلية، ومجرد دخول النقراشي باشا، أطلق عليه ثلاث رصاصات غادرة في ظهره أنهت حياته فوراً.

بوابة الحركات الاسلامية: 28 ديسمبر: اغتيال "النقراشي" على يد الإخوان  المسلمين

حادثة المنشية (أكتوبر 1954): امتداداً لنفس الفكر الإقصائي، حاولت الجماعة بعد ثورة يوليو تصفية القيادة السياسية والأمنية مجتمعة؛ حيث أطلق الإخواني (محمود عبد اللطيف) 8 رصاصات نحو الرئيس جمال عبد الناصر في الإسكندرية، وكان وزير الداخلية آنذاك اللواء زكريا محيي الدين متواجداً برفقته على المنصة.

 ما بعد 30 يونيو 2013.. جيل "حسم" ولجان العمل النوعي

حين سقط حكم الجماعة عقب ثورة 30 يونيو، أعادت القيادات الهاربة في الخارج (وعلى رأسهم يحيى موسى) إحياء فكرة "النظام الخاص" تحت مسميات عصرية مثل "لجان العمل النوعي" والتي انبثق عنها لاحقاً تنظيم "حركة حسم الإرهابية"، وكان الهدف الاستراتيجي الثابت هو: شل حركة القيادة الأمنية والقضائية للدولة المصرية.

 موجة التصفيات لرجال الأمن والقضاء

اغتيال اللواء محمد السعيد (يناير 2014): في محاولة لضرب العقل الإداري والفني لوزارة الداخلية، استهدفت العناصر المسلحة مدير المكتب الفني لوزير الداخلية، اللواء محمد السعيد؛ حيث تتبعته عناصر على دراجة نارية وأطلقت عليه الرصاص أمام منزله بمنطقة الهرم بالجيزة.

اغتيال المستشار هشام بركات (يونيو 2015): نال القضاء نصيبه من غدر الجماعة باستهداف موكب النائب العام الأسبق بسيارة مفخخة في مصر الجديدة، في عملية أثبتت التحقيقات أن التوجيه والتخطيط لها تم بإشراف قيادات الإخوان بالخارج وتنسيق لوجستي وتدريبي مع عناصر من حركة حماس الفلسطينية.

الوطن» تعيد نشر اعترافات المدانين في «اغتيال النائب العام» - الوطن
اغتيال المستشار هشام بركات 

محاولة اغتيال اللواء مجدي عبد الغفار "وزير الداخلية" (2016): أحبط قطاع الأمن الوطني مخططاً ضخماً لتنظيم "حسم" كان يستهدف تفخيخ خط سير وزير الداخلية الأسبق اللواء مجدي عبد الغفار، وجرى ضبط الخلايا والسيارات المجهزة للتفجير في مخابئ سرية بمحافظتي القليوبية والفيوم قبل التنفيذ.

محاولة اغتيال اللواء مصطفى النمر "مدير أمن الإسكندرية" (مارس 2018): قبل أيام قليلة من الانتخابات الرئاسية، حاولت عناصر "حسم" هز استقرار المشهد بتفجير سيارة مفخخة عن بُعد أثناء مرور موكب مدير أمن الإسكندرية بمنطقة رشدي، وهي المحاولة التي أسفرت عن استشهاد اثنين من أفراد الشرطة ونجاة مدير الأمن.

 وزارة الداخلية.. الحائط الصامد أمام أوهام التمكين

تثبت القراءة التاريخية الممتدة من عام 1945 إلى اليوم، أن جهاز الشرطة المصريةـ وعلى رأسه وزير الداخليةـ يمثل في العقيدة الفكرية والقتالية لجماعة الإخوان "العدو التاريخي الأول".

الجماعة ترى في وزارة الداخلية حائط الصد الصلب الذي يحمي مدنية الدولة ومؤسساتها، ويفشل مخططات "التمكين" الإقصائية. ولذلك، فإن اللجوء إلى تصنيع المتفجرات، وتجنيد الانتحاريين، واستهداف الوزراء، لم يكن يوماً رد فعل عشوائي، بل هو تكتيك بنيوي أصيل في أدبيات التنظيم؛ فكلما لفظهم الشعب وأسقط حكمهم الصندوق والميدان، ارتدوا إلى سلاحهم القديم.. محاولة تصفية من يحمي أمن هذا الوطن.

تم نسخ الرابط