حين تتحول السواحل إلى ممرات للنفوذ..كيف تعاد هندسة طرق العالم من مصر؟
ثمة أسرار لا تُكتب في صفحات التاريخ، بل تُرسم على خرائط البحر؛ فالأمم التي أدركت مبكرًا أن الميناء ليس مجرد رصيف، بل بوابة للنفوذ وصناعة المستقبل، استطاعت أن تحجز لنفسها مكانًا في قلب حركة العالم.
وبين أمواج تحمل السفن، وأرصفة تستقبل الغد قبل أن يصل، تتشكل في مصر ملامح حكاية جديدة، عنوانها أن الجغرافيا وحدها لا تصنع القوة، وإنما تصنعها الإرادة حين تعرف كيف تحول الموقع إلى رسالة، والبحر إلى طريق نحو المستقبل.
طريق نحو المستقبل
حيث لم تعد الموانئ في عالم اليوم مجرد أرصفة تستقبل السفن أو ساحات لتداول البضائع، وإنما أصبحت مراكز اقتصادية متكاملة، ومحركات رئيسية للنمو، ومنصات لوجستية تصنع النفوذ الاقتصادي للدول.
فكل دولة تمتلك منظومة موانئ متطورة، تمتلك في الوقت ذاته قدرة أكبر على جذب الاستثمارات، وتعزيز التجارة، وخلق فرص العمل، والانطلاق نحو الأسواق العالمية؛ ومن هذا المنطلق، وضعت الدولة المصرية تطوير الموانئ البحرية على رأس أولوياتها، انطلاقًا من رؤية استراتيجية تستهدف استثمار الموقع الجغرافي الفريد لمصر، وتحويلها إلى مركز إقليمي للنقل واللوجستيات وتجارة الترانزيت، بما يتوافق مع مستهدفات رؤية مصر 2030.
وقد انطلقت هذه الرؤية بصورة واضحة منذ توجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال زيارته لميناء الإسكندرية في سبتمبر عام 2021، أثناء وضع حجر الأساس لمحطة "تحيا مصر" متعددة الأغراض، حيث أكد أهمية الاستفادة من الموقع الاستراتيجي الذي تتمتع به مصر على البحرين الأحمر والمتوسط، وامتلاكها لقناة السويس، أحد أهم الممرات الملاحية العالمية، بما يجعلها محورًا رئيسيًا لحركة التجارة الدولية.
كما شدد الرئيس السيسي، على أن تكون الاستثمارات الضخمة التي يتم ضخها في قطاع الموانئ بأموال مصرية خالصة، مع فتح المجال أمام القطاع الخاص المصري والعالمي للمشاركة في الإدارة والتشغيل وفق أحدث النظم العالمية، بما يحقق أعلى معدلات الكفاءة والتنافسية.
خريطة النقل البحري
وترجمة لهذه التوجيهات، تبنت وزارة النقل خطة شاملة لإعادة صياغة خريطة النقل البحري في مصر، استندت إلى إنشاء ثمانية ممرات لوجستية دولية متكاملة تربط مناطق الإنتاج الصناعي والزراعي والتعديني والخدمي بالموانئ البحرية، مرورًا بالموانئ الجافة والمناطق اللوجستية، بما يضمن انسيابية حركة البضائع من مواقع الإنتاج إلى الأسواق العالمية.
وتشمل هذه الممرات محاور استراتيجية تمتد من العريش إلى طابا، ومن السخنة إلى الإسكندرية، ومن القاهرة إلى الإسكندرية، ومن طنطا إلى دمياط، مرورًا بجرجوب والسلوم، وصولًا إلى أبو سمبل وتوشكى وشرق العوينات وحتى الحدود الإفريقية، بما يعزز مكانة مصر كبوابة رئيسية للتجارة بين آسيا وأوروبا وإفريقيا.
واعتمدت الخطة على تنفيذ طفرة غير مسبوقة في البنية الأساسية للموانئ البحرية، حيث جرى التخطيط لإنشاء سبعين كيلومترًا من الأرصفة البحرية الحديثة بأعماق تصل إلى خمسة وعشرين مترًا، بما يرفع إجمالي أطوال الأرصفة إلى أكثر من مائة كيلومتر، وهو ما يسمح باستقبال أحدث وأضخم السفن التجارية في العالم. وقد تم بالفعل الانتهاء من تنفيذ خمسة وأربعين كيلومترًا، فيما تتواصل الأعمال لاستكمال خمسة وعشرين كيلومترًا أخرى.
كما تضمنت الخطة إنشاء خمسة وثلاثين كيلومترًا من حواجز الأمواج لحماية الأحواض المينائية، إلى جانب التوسع في المساحات التشغيلية للموانئ لتصل إلى نحو مائة مليون متر مربع، بما يوفر ساحات تداول ومناطق لوجستية قادرة على استيعاب النمو المتوقع في حركة التجارة.
أسطول من القاطرات
وفي الوقت نفسه، يجري تنفيذ برنامج متكامل لتحديث الخدمات البحرية من خلال بناء وتطوير أسطول من القاطرات الحديثة ذات قدرات شد كبيرة، بما يضمن تأمين حركة السفن العملاقة داخل الموانئ.
وكان شهد ميناء الإسكندرية، أقدم وأهم الموانئ المصرية على البحر المتوسط، طفرة تطويرية كبيرة، كان أبرزها إنشاء محطة "تحيا مصر" متعددة الأغراض بأرصفة يبلغ إجمالي أطوالها نحو 2.5 كيلومتر، وطاقة تداول تتراوح بين 12 و15 مليون طن سنويًا، إلى جانب إنشاء محطة حديثة للحبوب والغلال، وتنفيذ محاور مرورية جديدة تربط الميناء بشبكة الطرق القومية، فضلاً عن استكمال أعمال محطة "تحيا مصر 2" بميناء الدخيلة، وإنشاء محطة للصب الجاف النظيف، وتطوير حواجز الأمواج، وإنشاء منطقة لوجستية متكاملة بحوض المتراس.
أما ميناء دمياط، فقد أصبح نموذجًا متقدمًا للموانئ الذكية، بعد إنشاء محطة متعددة الأغراض وتطوير الحواجز البحرية، وتشغيل محطة الحاويات "تحيا مصر 1" تجريبيًا، التي تمتد أرصفتها بطول كيلومترين وبطاقة استيعابية تصل إلى 3.5 مليون حاوية مكافئة سنويًا. وقد استقبلت المحطة أحدث الأوناش العملاقة، كما استقبلت السفينة العملاقة "ESSEN EXPRESS" التابعة للخط الملاحي العالمي "هاباج لويد"، وهو ما يعكس جاهزية الميناء لاستقبال السفن العملاقة وتعزيز مكانته على خريطة النقل البحري العالمي.
موانئ البحر المتوسط
ولم تقتصر أعمال التطوير على موانئ البحر المتوسط، بل امتدت إلى موانئ البحر الأحمر، حيث شهدت موانئ سفاجا ونويبع والغردقة عمليات تطوير شاملة، تضمنت تحديث الأرصفة والساحات والخدمات اللوجستية، وإنشاء مخازن حديثة وساحات للشاحنات، إضافة إلى افتتاح المحطة متعددة الأغراض "سفاجا 2"، التي تمثل إضافة استراتيجية لمنظومة النقل البحري، حيث استقبلت بالفعل أولى سفن تداول السيارات والحاويات ضمن التشغيل التجريبي، بما يؤكد جاهزية الميناء للمنافسة إقليميًا ودوليًا.
وفي ميناء السخنة، يتجسد أحد أكبر مشروعات تطوير الموانئ في الشرق الأوسط، إذ يشهد تنفيذ منظومة متكاملة تشمل إنشاء ثمانية عشر كيلومترًا من الأرصفة الجديدة، وإضافة ملايين الأمتار المربعة من الساحات والمناطق اللوجستية، ومد شبكات السكك الحديدية والطرق الداخلية، بما يحول الميناء إلى مركز عالمي لتداول الحاويات والبضائع. وقد بدأت بالفعل أعمال التشغيل التجريبي لمحطة البحر الأحمر لتداول الحاويات، التي استقبلت أولى السفن التابعة للخط الملاحي العالمي "CMA CGM"، كما حصل الميناء على شهادة موسوعة جينيس للأرقام القياسية باعتباره أعمق ميناء صناعي يُنشأ على اليابسة بعمق تسعة عشر مترًا.
الأسطول البحري المصري
وفي موازاة تطوير البنية الأساسية، تعمل الدولة على إعادة بناء الأسطول البحري المصري، من خلال خطة تستهدف امتلاك أربعين سفينة حديثة بحلول عام 2030، تابعة للشركات الوطنية، بما يرفع القدرة السنوية لنقل البضائع إلى خمسة وعشرين مليون طن.
وتشمل الخطة تدعيم أساطيل شركة الملاحة الوطنية، والشركة المصرية لناقلات البترول، وشركة القاهرة للعبارات، إلى جانب دعم شركة الجسر العربي للملاحة، بما يعزز قدرة مصر على الاعتماد على أسطول وطني قوي يخدم حركة التجارة الخارجية.
ولإدارة هذه المشروعات العملاقة وفق أحدث المعايير العالمية، أبرمت الدولة شراكات استراتيجية مع كبرى الشركات الدولية المتخصصة في تشغيل وإدارة محطات الحاويات، ومن بينها HPH، وAPM Terminals، وCMA Terminals، وDP World، وEurogate، ومجموعة موانئ أبوظبي، بما يضمن جذب أكبر الخطوط الملاحية العالمية، وزيادة حركة السفن، وتعظيم تجارة الترانزيت.
كما شهد القطاع إنجازًا مهمًا بإطلاق خط الرورو المصري الإيطالي بين ميناءي دمياط وتريستا، الذي أسهم في تسهيل تصدير الحاصلات الزراعية والمنتجات الصناعية المصرية إلى أوروبا في زمن قياسي، مع توفير خدمة لنقل الشحنات المبردة والجافة إلى أسواق الخليج عبر ميناء سفاجا، وهو ما يعكس نجاح الدولة في ربط موانئها بشبكات التجارة العالمية.
التحول الرقمي
ولم تغفل خطة التطوير جانب التحول الرقمي، إذ جرى إدخال أنظمة التسجيل المسبق للشحنات (ACI)، وأنظمة البوابات الإلكترونية الذكية (OCR)، فضلًا عن إطلاق منصة سياحة اليخوت، التي خفضت زمن إنهاء إجراءات دخول وخروج اليخوت الدولية من ثلاثين يومًا إلى ثلاثين دقيقة فقط، بما يعكس التحول نحو منظومة موانئ ذكية تعتمد على التكنولوجيا والحوكمة وسرعة الأداء.
وفي النهاية فإن ما تشهده الموانئ المصرية اليوم ليس مجرد تطوير لمرافق بحرية، بل إعادة صياغة لدور مصر الاقتصادي في محيطها الإقليمي والدولي.
فكل رصيف جديد، وكل محطة حديثة، وكل ممر لوجستي، يمثل لبنة في مشروع وطني كبير يهدف إلى جعل مصر مركزًا عالميًا للتجارة والخدمات اللوجستية، مستفيدة من موقعها الجغرافي الفريد وإرثها البحري العريق. إنها رؤية تتجاوز حدود الحاضر، لتؤسس لمستقبل تصبح فيه الموانئ المصرية بوابات رئيسية للتنمية، ومحركات للنمو الاقتصادي، وجسورًا تربط القارات، وتؤكد أن الجمهورية الجديدة لا تبني موانئ فحسب، بل تبني اقتصادًا أكثر قدرة على المنافسة والانطلاق نحو المستقبل.



