بعد 200 عام من التاريخ.. قصر العيني على موعد مع أكبر تحول في مسيرته
القاهرة ليست المدن العظيمة تلك التي تخلدها شواهد التاريخ فحسب، بل التي تمتلك القدرة على إعادة اكتشاف ذاتها كلما تغيرت ملامح الزمن.
ومن قلب العاصمة، حيث يقف قصر العيني شاهدًا على قرنين من الطب والعلم، تنطلق رؤية جديدة لا تستهدف تطوير مستشفى فحسب، بل إعادة بناء فلسفة الرعاية الصحية على أسس تجمع بين الإرث العريق والابتكار، ليظل الإنسان هو الغاية الأولى لكل مشروع تنموي، وتبقى المؤسسات الكبرى قادرة على صناعة المستقبل بقدر حفاظها على تاريخها.

حماية الإنسان
فالمستشفيات ليست مجرد مبانٍ تُشيد لاستقبال المرضى، ولا تقتصر قيمتها على ما تضمه من أجهزة طبية أو غرف عمليات حديثة، بل تمثل في جوهرها مرآة لقدرة الدولة على حماية الإنسان، باعتباره أغلى ثرواتها وأكثرها استحقاقًا للرعاية.
ومن هذا المنطلق، يكتسب مشروع تطوير مستشفيات جامعة القاهرة "قصر العيني" أهمية استثنائية، إذ لا يتعلق الأمر بعملية تحديث تقليدية لمنشآت طبية، وإنما بإعادة صياغة أحد أهم الرموز التاريخية للطب المصري والعربي، ليظل قادرًا على أداء رسالته العلمية والعلاجية خلال العقود المقبلة.

ويأتي المشروع في توقيت يحمل دلالة رمزية عميقة، إذ يتزامن مع مرور مائتي عام على تأسيس قصر العيني، المؤسسة التي خرجت آلاف الأطباء، وأسهمت في تشكيل الوعي الطبي المصري، وكانت شاهدًا على محطات فارقة في تاريخ الرعاية الصحية والتعليم الطبي والبحث العلمي.
قصر العيني وذاكرة الوطن
حين يذكر قصر العيني، فإن الحديث لا يدور حول مستشفى جامعي فحسب، بل عن مؤسسة ارتبط اسمها بتاريخ الطب الحديث في مصر والشرق الأوسط؛ فمنذ تأسيسها، لعبت دورًا محوريًا في علاج ملايين المرضى، وإعداد أجيال متعاقبة من الأطباء، وإجراء البحوث العلمية التي أسهمت في تطوير المنظومة الصحية.

واليوم، وبعد مرور قرنين من الزمان، تفرض المتغيرات الطبية والتكنولوجية تحديات جديدة تستوجب إعادة بناء المنظومة الصحية داخل هذا الصرح العريق، بما يحقق التوازن بين الحفاظ على قيمته التاريخية وتزويده بأحدث ما وصلت إليه التكنولوجيا الطبية.
توجيهات القيادة السياسية
جاءت مناقشات مشروع التطوير خلال اجتماع عقده الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، بحضور الدكتور عبدالعزيز قنصوة وزير التعليم العالي والبحث العلمي، والدكتور محمد سامي عبدالصادق رئيس جامعة القاهرة، والدكتور حسام صلاح عميد كلية طب قصر العيني.
وأكد رئيس الوزراء أن المشروع يأتي تنفيذًا لتوجيهات الرئيس عبدالفتاح السيسي، التي تضع تطوير منظومة الرعاية الصحية في مقدمة أولويات الدولة، باعتبار أن الاستثمار الحقيقي يبدأ من الاستثمار في الإنسان، وأن جودة الخدمات الطبية أصبحت أحد المؤشرات الرئيسية لقياس جودة الحياة.
وأوضح مدبولي أن الحكومة مستمرة في تحديث البنية التحتية للقطاع الصحي، ورفع كفاءة المنشآت الطبية، وتطوير المستشفيات الجامعية باعتبارها العمود الفقري لمنظومة العلاج والتعليم الطبي، مشيرًا إلى أن تجربة تطوير المدينة الطبية بجامعة عين شمس تمثل نموذجًا متقدمًا تسعى الدولة إلى تعميمه على مختلف المؤسسات الجامعية.

فلسفة جديدة للتطوير
لا يقوم مشروع تطوير قصر العيني على مجرد ترميم الأبنية القديمة أو إضافة تجهيزات حديثة، بل يستند إلى فلسفة مختلفة تنظر إلى المستشفى باعتباره منظومة متكاملة تجمع بين العلاج والتعليم والبحث العلمي والاستدامة الاقتصادية.
فالمشروع يحمل شعار "تراث عريق، ورعاية متكاملة، ومستقبل مبتكر"، وهو شعار يعكس رؤية تسعى إلى الجمع بين احترام التاريخ والانطلاق نحو المستقبل.
ويؤكد المسؤولون أن الهدف ليس تغيير هوية قصر العيني، وإنما الحفاظ على شخصيته التاريخية مع إعادة تأهيله وفق المعايير العالمية، بحيث يصبح نموذجًا للمستشفى الجامعي الذكي القادر على مواكبة التطور المتسارع في العلوم الطبية.
محاور رئيسية للتطوير
تعتمد الخطة على مجموعة من المحاور الاستراتيجية التي تستهدف إحداث تحول شامل في أداء المستشفى، وتشمل تحديث البنية التحتية والإنشائية لكافة المستشفيات الجامعية، بالإضافة إلى تطوير غرف العمليات وأقسام الطوارئ والرعاية المركزة؛ وكذا إدخال أحدث الأجهزة والتقنيات الطبية.

بالإضافة إلى تطوير منظومة التعليم الطبي والبحث العلمي، ورفع كفاءة الخدمات الرقمية وإدارة البيانات الصحية، وتحسين بيئة العمل للأطباء وهيئات التمريض، والحفاظ على الطابع التاريخي والمعماري للمباني التراثية.
كما تتضمن الخطة تنفيذ أعمال التطوير على أربع مراحل متتابعة، مع استمرار تقديم الخدمات الطبية طوال فترة التنفيذ، بما يضمن عدم تأثر المرضى أو توقف الخدمات العلاجية.
أرقام تعكس حجم التحول
فيما تكشف الأرقام المستهدفة عن حجم المشروع والطموحات المرتبطة به.
فبحسب الرؤية التي استعرضها الدكتور حسام صلاح، تستهدف خطة التطوير الوصول بعدد الأسرة إلى 2239 سريرًا بعد استكمال المشروع، مع رفع الطاقة التشغيلية بما يسمح بإجراء أكثر من 100 ألف عملية جراحية سنويًا.
كما تستهدف الخطة مضاعفة أعداد المستفيدين من الخدمات العلاجية، مقارنة بما يتم تقديمه حاليًا لأكثر من مليوني مريض كل عام، وهو ما يعكس حجم الدور الوطني الذي يؤديه قصر العيني في دعم المنظومة الصحية المصرية.\

مركز للعافية والسياحة العلاجية
ومن أبرز مكونات المشروع إنشاء مركز طرح النهر للعافية والسياحة العلاجية، وهو مشروع يحمل بعدًا اقتصاديًا إلى جانب أبعاده الطبية.
ويهدف المركز إلى توفير مصدر تمويل ذاتي مستدام للمستشفيات الجامعية، بما يقلل الاعتماد على الموازنة العامة للدولة، ويتيح توفير موارد مالية مستمرة لتحديث الأجهزة الطبية، ودعم البحث العلمي، وتحسين الخدمات المقدمة للمرضى.
كما يسهم المشروع في تعزيز مكانة مصر على خريطة السياحة العلاجية، مستفيدًا من الخبرات الطبية الكبيرة التي يتمتع بها قصر العيني، ومن تاريخه الممتد لأكثر من قرنين.
تمويل يعكس جدية التنفيذ
لم تقتصر المناقشات على عرض الرؤى والأفكار، بل انتقلت إلى مرحلة التنفيذ الفعلي.
فقد وجه رئيس الوزراء بسرعة اتخاذ الإجراءات التنفيذية اللازمة، مؤكدًا أن الحكومة ستوفر الدعم المالي اللازم بالتعاون مع وزارة التعليم العالي.
وفي هذا السياق، أعلن وزير التعليم العالي والبحث العلمي تخصيص نحو 800 مليون جنيه من التمويل الذاتي للوزارة خلال العام الأول لبدء تنفيذ المشروع، على أن يتم استكمال التمويل من خلال الموازنة العامة للدولة، بما يضمن الالتزام بالجداول الزمنية المحددة.

الإرث العلمي
يرى المتخصصون أن أكبر تحديات المشروع لا تتمثل في الإنشاءات أو التمويل، وإنما في الحفاظ على القيمة التاريخية والعلمية لقصر العيني، الذي ظل لعقود طويلة أحد أهم المدارس الطبية في المنطقة.
ولهذا، تراعي خطة التطوير الحفاظ على الهوية المعمارية للمباني التاريخية، بالتوازي مع إدخال التقنيات الحديثة وأنظمة المستشفيات الذكية، بما يحقق معادلة دقيقة بين الأصالة والحداثة.
رؤية تتجاوز حدود العلاج
وفي النهاية فإن تطوير قصر العيني لا يمثل مجرد مشروع إنشائي، بل يعكس تحولًا في فلسفة الدولة تجاه الرعاية الصحية، حيث لم تعد المستشفى مكانًا لتقديم العلاج فقط، وإنما أصبحت مؤسسة لإنتاج المعرفة الطبية، وتطوير البحث العلمي، وصناعة الكفاءات، وجذب الاستثمارات في القطاع الصحي.
فحين تطور مؤسسة بحجم قصر العيني، فإن الأثر يمتد إلى المنظومة الصحية بأكملها، من خلال تحسين جودة الخدمات، وتخفيف الضغط على المستشفيات، ودعم برامج التأمين الصحي الشامل، ورفع كفاءة التعليم الطبي، وتعزيز تنافسية مصر إقليميًا في مجالات العلاج والبحث العلمي.

ليبدو مشروع تطوير مستشفيات قصر العيني أكثر من مجرد خطة حكومية لتحديث منشآت صحية؛ إنه محاولة لإعادة تعريف العلاقة بين التاريخ والمستقبل، وبين التراث والابتكار، وبين الإنسان والدولة.
فالمؤسسات العريقة لا تظل عظيمة لأنها تنتمي إلى الماضي، وإنما لأنها تمتلك القدرة على التجدد دون أن تفقد هويتها، وقصر العيني اليوم يقف على أعتاب مرحلة جديدة قد تجعل من تاريخه الممتد قرنين نقطة انطلاق نحو قرن ثالث أكثر إشراقًا في خدمة الطب والإنسان.



