من قلب قناة السويس.. مشروع ضخم يعيد رسم خريطة الصناعة البحرية بمصر
في عالم تُقاس فيه قوة الأمم بما تصنعه لا بما تملكه فقط، تتحول الموانئ إلى مصانع للأحلام، وتصبح السفن أكثر من مجرد وسيلة للعبور؛ إنها شهادة على قدرة الدول على صناعة مستقبلها بأيديها.
فبين أمواج البحر وتحديات الاقتصاد العالمي، تواصل مصر رسم ملامح مرحلة جديدة عنوانها الإنتاج والتوطين والتوسع نحو الأسواق الدولية.
ومن قلب قناة السويس، لا تبنى وحدات بحرية فحسب، بل تصاغ رؤية متكاملة تسعى إلى تحويل الموقع الجغرافي الفريد إلى قوة صناعية واقتصادية قادرة على المنافسة، لتصبح كل سفينة جديدة رسالة تؤكد أن المستقبل يصنع اليوم قبل أن يبحر غدًا.
بدأت القصة بخطوات متسارعة لتوطين الصناعة وتعزيز القدرة التنافسية المصرية في إطار توجه الدولة نحو تعميق التصنيع المحلي وتعزيز مكانة مصر كمركز إقليمي للصناعات البحرية، حيث تابع الرئيس عبد الفتاح السيسي مستجدات مشروعات التصنيع البحري التابعة لهيئة قناة السويس، والتي تمثل أحد المحاور الاستراتيجية لدعم الاقتصاد الوطني وزيادة القيمة المضافة للقطاع البحري.
وخلال الاجتماع، استعرضت معدلات حركة الملاحة بقناة السويس خلال العام المالي 2025/2026، باعتبارها أحد المؤشرات الرئيسية لأداء الممر الملاحي العالمي، وما تحقق من جهود للحفاظ على تنافسية القناة في ظل المتغيرات الاقتصادية والتجارية الدولية.
وأكدت المتابعة الرئاسية أهمية الاستمرار في تنفيذ خطة متكاملة لتوطين صناعة الوحدات البحرية داخل مصر، بما يحقق الاكتفاء الذاتي من احتياجات هيئة قناة السويس والموانئ المصرية وقطاع النقل النهري، ويقلل الاعتماد على الاستيراد، إلى جانب توفير فرص عمل جديدة ورفع كفاءة الكوادر الوطنية العاملة في هذا المجال الحيوي.
كما تناول الاجتماع جهود التوسع في الأنشطة التصنيعية ذات الطابع التصديري، من خلال فتح أسواق خارجية جديدة أمام المنتجات البحرية المصرية، وتعزيز الشراكات مع القطاع الخاص بما يدعم تنافسية الصناعة الوطنية ويرفع من معدلات النمو والعائد الاقتصادي.
وفي سياق المشروعات الجاري تنفيذها، تم استعراض الانتهاء من بناء بدن ثلاثة لنشات رحلات جديدة، والتي تستهدف دعم وتنشيط السياحة البحرية والنيلية، بما يسهم في تطوير الخدمات المقدمة للزوار وتعزيز الاستفادة من المقومات السياحية التي تمتلكها مصر.
كما شهد الاجتماع متابعة مشروع تصنيع 12 سفينة صيد أعالي بحار من طراز «رزق»، والتي يتم تنفيذها وفق أحدث التقنيات والمعايير العالمية، في خطوة تستهدف دعم أسطول الصيد المصري وزيادة قدرته على العمل في المياه العميقة، بما يساهم في تعزيز الأمن الغذائي وتنمية قطاع الثروة السمكية.
وتضمنت المشروعات كذلك تصنيع أتوبيس نهري حديث بسعة 60 راكبًا لصالح محافظة القاهرة، في إطار جهود تطوير منظومة النقل الجماعي المستدام وتشجيع الاستفادة من نهر النيل كوسيلة نقل حضارية وآمنة تسهم في تخفيف الضغط على الطرق والمحاور المرورية.
وفي مجال دعم الخدمات البحرية، تم استعراض معدلات تنفيذ قاطرات "عزم" الجديدة بقوة شد تبلغ 90 طنًا، والتي تمثل إضافة نوعية للأسطول البحري المصري، حيث يتم بناؤها وفق أعلى معايير الجودة والأمان العالمية، بما يعزز قدرة الموانئ المصرية وهيئة قناة السويس على تقديم خدمات بحرية متطورة ومواكبة للمعايير الدولية.
وتعكس هذه المشروعات حجم الاهتمام الذي توليه الدولة المصرية لقطاع الصناعات البحرية، باعتباره أحد القطاعات الواعدة القادرة على دعم الاقتصاد الوطني وزيادة الصادرات وتوفير فرص العمل، إلى جانب تعزيز مكانة مصر كمركز إقليمي رائد في مجالات بناء السفن والوحدات البحرية والخدمات اللوجستية المرتبطة بها.

وتواصل الدولة تنفيذ خطط طموحة لتطوير البنية الصناعية والبحرية، مستفيدة من الموقع الجغرافي الفريد لقناة السويس والخبرات المتراكمة للكوادر المصرية، بما يرسخ قدرة مصر على المنافسة في الأسواق الإقليمية والعالمية خلال السنوات المقبلة.