رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري
الجمهور الإخباري
رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري

حين يتحول الفقر إلى إنتاج؟.. خطة اقتصادية لتمكين الأسر الأولى بالرعاية

تعبيرية
تعبيرية

في عالمٍ تتسارع فيه التحولات الاقتصادية وتتعقد فيه معادلات المعيشة، لم يعد الإنسان مجرد متلقٍّ للدعم، بل بات محورًا لفلسفة جديدة ترى في العمل والإنتاج طريقًا للكرامة والاستقلال؛ فالتمويل متناهي الصغر ليس مجرد أداة مالية، بل هو إعادة تعريف للعلاقة بين الفرد والاقتصاد، حيث يتحول الحلم الصغير إلى نواة لبقاءٍ أكثر اتزانًا وعدالة.

ومن هذا المنظور، تصبح المشروعات الصغيرة أشبه ببذورٍ تُزرع في تربة المجتمع، قد تبدو محدودة في حجمها، لكنها قادرة على إحداث أثر عميق في بنية الحياة الاقتصادية والاجتماعية، حين تُمنح الفرصة والرعاية لتزدهر وتنتج.

التحديات الاقتصادية

ففي ظل التحديات الاقتصادية المتسارعة التي يشهدها العالم، أصبحت المشروعات متناهية الصغر واحدة من أهم الأدوات التي تعتمد عليها الحكومات لتحقيق التنمية المستدامة ومكافحة الفقر وخلق فرص العمل؛ فهذه المشروعات، رغم صغر حجمها، تمثل ركيزة أساسية في دعم الاقتصاد المحلي وتمكين الفئات الأكثر احتياجًا من بناء مصادر دخل مستقرة تضمن لها حياة كريمة ومستقبلًا أكثر استقرارًا.

ومن هذا المنطلق، شهدت الدكتورة مايا مرسي، وزيرة التضامن الاجتماعي ورئيسة مجلس إدارة صندوق دعم الصناعات الريفية والبيئية، توقيع عقود تمويل جديدة بين الصندوق و13 جمعية ومؤسسة أهلية، في خطوة تستهدف توسيع نطاق التمويل متناهي الصغر والوصول إلى أكبر عدد من الأسر والأفراد الراغبين في إقامة مشروعات إنتاجية صغيرة قادرة على تحسين أوضاعهم المعيشية.

وتأتي هذه الخطوة ضمن مشروع التمويل متناهي الصغر الممول من البنك الدولي، في إطار المكون الثالث من مشروع "توسعة برنامج تكافل وكرامة وبناء الأنظمة"، والذي يندرج تحت مظلة المنظومة المالية الاستراتيجية للتمكين الاقتصادي، التي تسعى وزارة التضامن الاجتماعي من خلالها إلى الانتقال من مفهوم الدعم التقليدي إلى مفهوم التنمية المستدامة القائمة على الإنتاج والعمل.

 استثمار في الإنسان

لم يعد التمويل متناهي الصغر مجرد قروض صغيرة تمنح للأفراد، بل أصبح أداة تنموية متكاملة تستهدف بناء قدرات المواطنين اقتصاديًا واجتماعيًا. ويعتمد هذا النوع من التمويل على تقديم مبالغ مالية مناسبة للأسر محدودة الدخل وأصحاب الحرف والمشروعات المنزلية والمنتجين الصغار، بما يساعدهم على إنشاء مشروعات أو تطوير أنشطة قائمة بالفعل.

ويرى خبراء التنمية أن المشروعات متناهية الصغر تمتلك قدرة كبيرة على تحقيق التنمية المحلية، خاصة في القرى والمناطق الريفية، حيث تسهم في توفير فرص عمل مباشرة وغير مباشرة، وتدعم الصناعات التقليدية والحرف اليدوية والأنشطة الزراعية والإنتاجية، فضلاً عن تعزيز مشاركة المرأة والشباب في النشاط الاقتصادي.

شراكة مع المجتمع الأهلي

تجسد العقود الجديدة نموذجًا للتعاون بين الدولة والمجتمع المدني في دعم التمكين الاقتصادي، حيث شملت 13 جمعية ومؤسسة أهلية تعمل في محافظات ومناطق مختلفة، بما يضمن وصول التمويل إلى شرائح متنوعة من المواطنين.

وشهدت مراسم التوقيع مشاركة عدد من المؤسسات والجمعيات ذات الخبرة في مجال التنمية المجتمعية، من بينها جمعية الصعيد للتربية والتنمية، والهيئة القبطية الإنجيلية للخدمات الاجتماعية، وجمعية تنمية المشروعات الصغيرة بالفيوم، ومؤسسة نهضة بني سويف، إلى جانب عدد من الجمعيات العاملة في مجالات تنمية المرأة الريفية ودعم الأشخاص ذوي الإعاقة والتنمية المحلية.

ويعكس هذا التنوع في الجهات الشريكة حرص وزارة التضامن الاجتماعي وصندوق دعم الصناعات الريفية والبيئية على توسيع نطاق الاستفادة من التمويل والوصول إلى مختلف الفئات المستهدفة في المحافظات.

من الدعم إلى الإنتاج

أكدت الدكتورة مايا مرسي أن صندوق دعم الصناعات الريفية والبيئية يمثل الذراع التنفيذية لوزارة التضامن الاجتماعي في مجال التمكين الاقتصادي، مشيرة إلى أن الوزارة تعمل على تنفيذ تدخلات متكاملة تستهدف تعزيز قدرة الأسر الأولى بالرعاية على الإنتاج وتحقيق دخل مستدام.

وتقوم فلسفة الوزارة على تحويل الأسر المستفيدة من برامج الحماية الاجتماعية إلى أسر منتجة وقادرة على الاعتماد على ذاتها، وهو ما يتماشى مع رؤية الدولة المصرية الرامية إلى تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية الشاملة.

وتسعى الوزارة من خلال هذه البرامج إلى توفير التمويل اللازم للمشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر، مع تقديم الدعم الفني والتدريب والتأهيل، بما يضمن نجاح المشروعات واستمراريتها وتحقيقها للعائد الاقتصادي المطلوب.

التمويل وحده لا يكفي

أحد أبرز ملامح المشروع الجديد يتمثل في ربط التمويل بالتدريب والتأهيل، حيث نظم صندوق دعم الصناعات الريفية والبيئية برامج تدريبية متخصصة بالتعاون مع بنك مصر وشركة eFinance، بهدف رفع كفاءة الجمعيات والمؤسسات الشريكة وتعزيز قدرتها على إدارة برامج التمويل بكفاءة وفاعلية.

وشملت التدريبات شرح منهجية سلاسل القيمة المجتمعية، والتي تعتمد على تحديد الأنشطة الاقتصادية الأكثر ملاءمة لكل منطقة وفقًا لمواردها وميزتها النسبية، بما يسهم في زيادة فرص نجاح المشروعات وتحقيق الاستدامة الاقتصادية.

كما تضمنت التدريبات تعريف المشاركين بالأنظمة المالية الحديثة المستخدمة في إدارة التمويل، وفي مقدمتها نظام "CorePay" بالتعاون مع بنك مصر، بالإضافة إلى نظام "تمكين" الخاص بالمنظومة المالية للتمكين الاقتصادي.

التكنولوجيا في خدمة التنمية

لم يعد التحول الرقمي مقتصرًا على القطاعات الاقتصادية الكبرى، بل أصبح عنصرًا أساسيًا في إدارة برامج التمويل التنموي. ولذلك حرص صندوق دعم الصناعات الريفية والبيئية على توظيف التكنولوجيا الحديثة في متابعة التمويلات وإدارة العمليات المالية وتحقيق أعلى مستويات الشفافية والكفاءة.

ويُتوقع أن تسهم هذه الأنظمة الرقمية في تسريع إجراءات التمويل وتحسين متابعة المشروعات وقياس أثرها الاقتصادي والاجتماعي بشكل أكثر دقة.

مجتمع المنتجين

تستهدف العقود الجديدة دعم رؤية الدولة لبناء "مجتمع المنتجين"، وهو المفهوم الذي يقوم على تمكين المواطنين اقتصاديًا من خلال توفير فرص العمل والإنتاج بدلاً من الاعتماد على المساعدات التقليدية.

ويؤكد متخصصون في التنمية أن المشروعات متناهية الصغر تمثل أحد أهم محركات النمو الاقتصادي في المجتمعات النامية، نظرًا لقدرتها على استيعاب أعداد كبيرة من العمالة، وتحقيق التنمية في المناطق الريفية والأكثر احتياجًا، وزيادة معدلات الشمول المالي.

مستقبل واعد للتمكين الاقتصادي

يمثل توقيع عقود التمويل الجديدة خطوة مهمة في مسار التمكين الاقتصادي الذي تتبناه وزارة التضامن الاجتماعي، ويعكس توجهًا واضحًا نحو الاستثمار في الإنسان باعتباره العنصر الأهم في عملية التنمية.

ومع استمرار التوسع في برامج التمويل متناهي الصغر، وتطوير آليات التدريب والدعم الفني والتحول الرقمي، تزداد فرص نجاح المشروعات الصغيرة في تحقيق أهدافها الاقتصادية والاجتماعية، بما يسهم في تحسين مستوى معيشة آلاف الأسر المصرية، ودعم جهود الدولة لبناء اقتصاد أكثر إنتاجية واستدامة وعدالة.

تم نسخ الرابط