ثورة جينية في عالم الغذاء.. علماء يطورون "بيضاً ذكياً" ينهي كابوس الحساسية للأبد
في كشف علمي قد يغير حياة الملايين حول العالم، نجح فريق بحثي من جامعة بطرسبورغ للطب البيطري في روسيا بإحداث اختراق طبي وتكنولوجي غير مسبوق، عبر إنتاج أول بيض دجاج معدل جينياً يخلو تماماً من البروتينات المسببة للحساسية، مما يفتح الباب أمام حقبة جديدة من "الأغذية المصممة آمنةً".
وجاء هذا الإنجاز ليعالج مشكلة تؤرق العائلات والمنظومات الصحية؛ إذ تشير الإحصاءات الطبية إلى أن نحو 2% من الأطفال عالمياً يعانون من حساسية مفرطة تجاه بروتينات البيض، وهو ما يحرمهم من أحد أهم عناصر النظام الغذائي الأساسي.
شفرة "الأوفوموكويد".. العدو الخفي في بياض البيض
تكمن الأزمة الكبرى لحساسية البيض في بروتين يُدعى "الأوفوموكويد" (Ovomucoid). هذا البروتين يمثل تحدياً كبيراً نظراً لخصائصه المعقدة:
مقاوم للحرارة: لا يتأثر بأي من عمليات الطهي التقليدية كالسلق أو القلي.
عصي على التفكك: يحتفظ بتركيبته المسببة للتحسس حتى بعد التعرض لدرجات حرارة عالية، مما يجعله خطراً مستمراً على المصابين.
هنا تدخّل العلماء الروس، ليس عبر محاولة معالجة البيضة بعد إنتاجها، بل من خلال إعادة كتابة "التعليمات الجينية" للدجاج نفسه لمنع ظهور هذا البروتين من الأساس.
"مقصات جينية" وخلايا أصلية: كيف تحقق الإنجاز؟
لتحقيق هذا التحول، اعتمدت المجموعة البحثية على استراتيجية علمية دقيقة ارتكزت على محورين:
تقنية CRISPR/Cas9: استخدم العلماء هذه الأداة الجزيئية المتطورة كمقصات فائقة الدقة لتحديد وتعطيل الجين المسؤول عن إنتاج بروتين "الأوفوموكويد" داخل الحمض النووي للطائر.
الخلايا الجنسية الأولية: لضمان ألا يكون هذا التعديل مؤقتاً، استخرج الباحثون الخلايا السلفية للبويضات والحيوانات المنوية من أجنة الدجاج في مرحلة مبكرة، وعدّلوها مخبرياً ثم أعادوا زرعها. هذه الخطوة الاستراتيجية تضمن انتقال الصفة الجديدة وراثياً إلى الأجيال القادمة من الدجاج بشكل تلقائي.
دجاجات معدلة وراثياً تضع بيضاً طبيعياً تماماً، لكنه "مفلتر" جينياً وخالٍ بنسبة 100% من مسببات الحساسية.
القيمة الغذائية.. هل تأثرت؟
وفقاً للتقرير الصادر عن الجامعة، فإن التغيير الوحيد الملحوظ في "البيض الجديد" هو أن قوام البياض أصبح أقل كثافة بقليل مقارنة بالبيض العادي، إلا أن الخبراء أكدوا أن هذا التغير الفيزيائي البسيط لم يؤثر مطلقاً على القيمة الغذائية العالية والفوائد الصحية التي يقدمها البيض للجسم.
وفي هذا السياق، علّق البروفيسور ألكسندر سوخانين، رئيس قسم علم الأحياء الدقيقة والفيروسات والمناعة في الجامعة، قائلاً:
"إن التعديل الجيني اليوم يفتح لنا آفاقاً عجزت عنها طرق التربية الانتقائية والتهجين التقليدية. بات بمقدورنا الآن استهداف جين واحد بدقة متناهية وإيقافه دون المساس ببقية الخصائص الحيوية للكائن. وفي حالة الأوفوموكويد، نجحنا في الحفاظ على كامل المنافع الغذائية للبيضة، مع نزع فتيل رد الفعل التحسسي الذي كان يهدد صحة الأطفال".
يُمثل هذا الابتكار خطوة عملاقة نحو مستثمر تكنولوجي واعد يُعرف بـ "الأغذية المصممة" (Designed Foods)، والتي قد تنهي في القريب العاجل أزمات حساسية الغذاء تجاه منتجات أخرى مثل الفول السوداني أو القمح، ليكون الطعام مصدراً للطاقة والصحة فقط.. دون أي مخاوف.
