رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري
الجمهور الإخباري
رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري

م.مراد مهداوي يكتب..الراقصة والطبال: صناع محتوى لماذا وما النتيجة؟

م.مراد مهداوي
م.مراد مهداوي

​في عالم السوشيال ميديا المتسارع، خاصة على منصة "تيك توك"، بتنا نشهد ظاهرة مقلقة ومثيرة للجدل: صعود مفاجئ لأشخاص يفتقرون لأبسط مقومات الثقافة، العلم، أو التربية، ليصبحوا في غضون أيام "مشاهير" و"صناع محتوى". يطلق عليهم البعض وصف "الراقصة والطبال" في إشارة إلى المحتوى الاستعراضي السطحي الذي يقدمونه. فكيف يحدث هذا التحول، ولماذا تدعمهم الوكالات الإعلامية، وما هو الثمن الذي يدفعه المجتمع؟
​كيف يتم صناعة "النجم" من العدم؟

​تعتمد عملية تحويل الشخص من "عديم الفائدة" إلى "صانع محتوى" على استراتيجيات رقمية مدروسة لا علاقة لها بجودة المحتوى، بل بـ "استدرار الانتباه":
​خلق "الترند" من خلال الصدمة: يتم التركيز على إثارة الجدل، التصرفات غير المألوفة، أو استخدام لغة هابطة. الخوارزميات لا تميز بين المحتوى المفيد والمحتوى الصادم؛ هي فقط تهتم بـ "عدد المشاهدات" و"زمن البقاء".

​حملات الدعم المنظمة: تتدخل بعض الوكالات عبر "شراء التفاعل" وحملات الإعلانات الممولة التي تستهدف فئات عمرية معينة لضمان انتشار المحتوى بسرعة البرق، موهمةً خوارزميات المنصة بأن هذا المحتوى "رائج"، مما يدفع "تيك توك" لنشره على نطاق أوسع.
​هندسة التفاهة: التلاعب بالرأي العام وهدم القيم

​لا يقتصر دعم "صناع التفاهة" على الربح المادي، بل يتجاوز ذلك ليصل إلى أهداف استراتيجية أخطر، تهدف إلى إعادة صياغة الوعي الجمعي وهدم المرجعيات الأخلاقية والاجتماعية:

​صناعة "القدوة المسخ": الهدف هو نسف مفهوم القدوة الحقيقية القائمة على الإنجاز والعلم. يتم تقديم الابتذال على أنه "حرية شخصية" أو "أسلوب حياة عصري"، مما يؤدي لتآكل الحواجز الأخلاقية لدى النشء.

​الإلهاء الجماعي: من خلال إشغال الجمهور بمعارك وهمية حول هؤلاء "المشاهير" (فضائح، خناقات، زواجات مصطنعة)، يتم حرف بوصلة الرأي العام عن القضايا الجوهرية (التعليم، الاقتصاد، تحديات المجتمع المصيرية).
​لماذا تدعم الوكالات هذا المحتوى وما هي أجنداتها؟

​قد يبدو الدعم غير مبرر، لكنه في الحقيقة استثمار في "الهدم الممنهج" لتحقيق عوائد تتجاوز المال:
​تمزيق النسيج الاجتماعي: خلق حالة من التفكك القيمي داخل الأسرة، حيث يصبح الأبناء في صراع مع قيم آبائهم بسبب تأثير هؤلاء المؤثرين الذين يروجون لنمط حياة استهلاكي بامتياز.

​الأجندة الثقافية: هناك أجندات تسعى لفرض "ثقافة موحدة" عالمية تعتمد على السطحية، حيث يتم محو الهوية الثقافية والخصوصية الأخلاقية للمجتمعات المحلية وإبدالها بـ "قيم الترفيه المطلق"، وتحويل الإنسان من كائن منتج إلى "مستهلك" يطارد التفاهة.
​إعادة تعريف النجاح: الأخطر من ذلك هو زرع قناعة بأن "النجاح" لا يتطلب جهداً أو دراسة، بل يتطلب فقط "القدرة على إثارة الجدل". هذه الرسالة تقتل الطموح الحقيقي في عروق الجيل الجديد.

​الخاتمة: مجتمع بلا بوصلة

​إن صناعة "مشاهير الغفلة" ليست صدفة، بل هي عملية تدمير ذاتي للمجتمعات. النتيجة التي نراها اليوم هي جيل يعاني من اضطراب في موازين التقدير؛ جيل يرفع "الراقصة والطبال" على الأعناق، ويُنحي المفكرين والمبدعين جانباً.
​هذه الوكالات تبيع للمجتمع "وهم الشهرة" بينما تسرق منه "جوهر بقائه". إنها حرب على العقول، وأدواتها هي شاشات هواتفنا، والضحية هو مستقبل مجتمع كامل يتم تفريغه من محتواه الحقيقي ليصبح مجرد صدى لصوت "طبلة" فارغة. إن المسؤولية تقع على عاتق الجمهور في اختيار ما يشاهده، وعلى الوعي الفردي في عدم منح "التافهين" ما يسعون إليه: الاهتمام.

تم نسخ الرابط