رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري
الجمهور الإخباري
رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري

م.مراد مهداوي يكتب: تيكتوك و"لعبة المشاعر".. كيف تحولت تيك توك لسلاح لتوجيه الرأي العام وصناعة الترندات الوهمية؟

مراد مهداوي
مراد مهداوي

في العقد الأخير تحول تطبيق تيك توك من منصة لمقاطع الفيديو القصيرة والترفيه إلى فضاء مؤثر في تشكيل الأذواق والمواقف والآراء العامة. تعتمد منصة كهذه على خوارزميات توصية متقدمة تلتقط استجابات المستخدمين النفسية والعاطفية، ما أتاح ظهور ما يمكن تسميته بـ«لعبة المشاعر»: منظومةُ ممارسات وخوارزمياتٍ تستثمر الانفعالات البشرية لإطالة زمن الاستخدام وتوجيه السلوك الجمعي — وفي حالات عديدة، لتضخيم معلومات خاطئة أو صياغة رأي عام مصطنع.  

تعريف لعبة المشاعر على تيك توك

«لعبة المشاعر» مصطلح يصف شبكة من الأدوات والتقنيات (خوارزميات، مؤثرون، صوتيات وصور مُعالجة، تحديات وتريندات) تهدف إلى إثارة استجابات عاطفية محددة لدى المستخدمين — كالخوف أو الغضب أو الحماس أو الحزن — بهدف دفعهم للتعليق والمشاركة والمشاهدة المتكررة. هذه الاستجابات تُقاس وتُستغل لتغذية خوارزميات التوصية، فتُعرض للمستخدمين مزيدًا من المحتوى الذي يُولّد لديهم تفاعلًا أقوى. 

الجوانب السلبية الأساسية

1. انتشار المعلومة الخاطئة بسرعة أكبر

مقاطع الفيديو القصيرة تفتقر للسياق والتوثيق، وما يُعرض بشكل جذّاب بصريًا قد يُقبل على أنه «حقيقة» بسرعة، حتى لو كان مغلوطًا. دراسات حديثة تشير إلى أن نسبة معتبرة من المحتوى على المنصات المرئية تحتوي على معلومات مضللة أو غير دقيقة، وهو خطر ظاهر خصوصًا في مجالات الصحة والسياسة. 

2. تضخيم المشاعر والسخط الاجتماعي

المحتوى الذي يثير غضبًا أو حزنًا يُشارك ويُعلّق عليه أكثر من المحتوى المتوازن، فتعمل الخوارزميات على تعزيزه، ما يؤدي إلى ارتفاع درجات السمية في النقاش العام وانتشار قطبيّة حادة. هذا النمط يعزّز أحكامًا مسبقة ويُضعف التفكير النقدي. 

3. استغلال مؤثرين وغيرهم لنشر رواياتٍ خاطئة

المؤثرون الذين يملكون جمهورًا واسعًا غالبًا ما يُعتبرون مصادر موثوقة من متابعيهم، حتى لو كانوا يفتقرون للخبرة الموضوعية. هذا يُسهّل تحوّل آراء فردية أو محتوى كاذب إلى «حقيقة اجتماعية» منتشرة. 

4. استخدام تكتيكات منسقة (Coordinated Inauthentic Behavior)

بحسب أبحاث وتحقيقات، ثمة شبكات وحملات منظمة تستخدم حسابات مزيفة أو منسقة لنشر محتوى مزيف أو تضخيم ترندات مُحدّدة؛ هذه الحملات قد تُدار داخليًا أو من أطراف خارجية بهدف التأثير السياسي أو الاجتماعي. 

كيف تُستخدم المنصة لتأجيج الرأي العام — حتى بشأن قضايا غير صحيحة؟

1. تصميم المحتوى العاطفي: تُنشأ مقاطع قصيرة مُصمَّمة لإثارة شعورٍ قوي (خوف، غضب، تعاطف)، لأن هذه المشاعر تزيد من قابلية المشاركة والانتشار.

2. استهداف الجمهور بدقة: الخوارزميات تحدّد مجموعات مستخدمين حسّاسة لمحتوى معيّن وتُعرض لهم نسخًا مُعدَّلة تزيد احتمال التفاعل.

3. التكرار والتعزيز: عرض نفس الرسالة أو القصة بطرائق وأساليب مختلفة مرارًا ليبدو أنها واردة من مصادر متعددة.

4. توظيف مؤثرين أو حسابات منسقة: نشر الرسالة عبر أقنية تبدو «طبيعية» (مؤثرون، مستخدمون عاديون) بدلًا من قناة رسمية أو معلن عنها، ما يرفع من مصداقيتها الظاهرية.

5. إخماد التصحيح: الخوارزميات قد تُخفي محتوى التصحيح أو لا تمنحه نفس الوصول، فيبقى السرد الخاطئ أكثر بروزًا. أمثلة على إخفاقات منظومة الإعلانات والمراجعات أظهرتها تقارير تحقيقية حول إعلانات سياسية مخالفة لسياسات المنصات. 

ما هي الأهداف التي تدفع استخدام لعبة المشاعر بهذا الشكل؟ 

اقتصادية: زيادة زمن الاستخدام والتفاعل يترجم مباشرةً إلى إيرادات إعلانية ومكانة سوقية.

سياسية/اجتماعية: تشكيل أجندات رأي عام، التأثير على نتائج الانتخابات أو توجيه النقاش حول سياسات عامة. التحقيقات والتقارير الأوروبية والدولية تناولت مخاوف من تدخلات عبر المنصات وتأثيرها على الانتخابات. 

تجريبية/بحثية: تجميع بيانات عن استجابات الجماهير العاطفية لاختبار رسائلٍ مستقبلية أو تحسين أدوات الاستهداف.

استراتيجية جيوسياسية: في حالاتٍ يُستخدم المنصات كأدوات لِلعبة النفوذ في الخارج عبر حملات معلوماتية منسقة. 

الآثار المجتمعية السلبية

تآكل الثقة بالمؤسسات الإعلامية والرسمية.

استقطاب اجتماعي وسياسي يزيد من احتمالات العنف اللفظي والمادي.

أضرار صحية عامة نتيجة انتشار معلومات طبية خاطئة.

إضعاف النقاش المدني وانتشار الشائعات التي تحول دون إدارة الأزمات بفاعلية. 

استراتيجيات الوقاية والتخفيف (موجهة للقارئ العام والمؤسسات)

للأفراد:

1. التحقق من المصدر قبل المشاركة — ابحث عن توثيق أو رابط لمصدر موثوق.

2. لا تعتمد على مقطع واحد كمصدر وحيد للمعلومة؛ اطّلع على تقارير مستقلة أو مؤسساتية.

3. ضبط وقت الاستخدام وتنشيط وعي رقمي نقدي لدى الأطفال والشباب.

للمؤسسات الإعلامية والمدارس:

1. إدراج برامج التربية الإعلامية والرقمية في المناهج.

2. رفع كفاءة الإعلام التقليدي في المنافسة على الانتباه بتقديم سياق وتحقيقات موثوقة.

لصانعي السياسات والمنصات:

1. مزيد من الشفافية في خوارزميات التوصية وقواعد الإعلانات السياسية.

2. آليات أسرع وأكثر فعالية لحذف المحتوى المضلل مع توسيع نطاق تصحيح المعلومات وتعزيز ظهورها.

3. تعاون بين المنصات والجهات الرقابية لإيجاد معايير للحدّ من الحملات المنسقة. تقارير رسمية في أوروبا وبحوث برلمانية وضعت توصيات في هذا الشأن.  

خاتمة

تيك توك، كغيره من منصات التواصل الحديثة، يحمل في طيّاته قوةً كبيرةً لبناء وإلهام الجمهور، لكنه في الوقت نفسه يمثل بيئة ملائمة للاستثمار في المشاعر ولانتشار المعلومة الخاطئة. «لعبة المشاعر» ليست مجرد تحدٍّ تقني، بل أزمة مجتمعية أخلاقية ونفسية وسياسية. المواجهة الفعّالة تتطلّب تضافر الجهود — توعية المستخدمين، التزام المنصات بالشفافية، وسياسات تنظيمية رشيدة — كي يتحول الفضاء الرقمي إلى ساحة محكومة بالمعلومة الصحيحة والحوار المنضبط بدلًا من أن يكون مسرحًا لتلاعب بالمشاعر وروايات مصطنعة.

 

 

تم نسخ الرابط