من قلب الفيوم إلى عواصم العالم.. مشروع مصري يقتحم الأسواق الأوروبية
في عالم يتسارع نحو الصناعة والتكنولوجيا، يعود الإنسان مرة أخرى إلى الطبيعة، وكأنه يكتشف متأخرًا أن الأرض ما زالت تحتفظ بأسرار الشفاء والثراء معًا؛ فبين أوراق النعناع، وحبوب الكمون، وأزهار البابونج، لا تختبئ مجرد نباتات تزرع في الحقول، بل تاريخ طويل من العلاقة بين الإنسان والطبيعة، حيث كانت الأعشاب أول دواء، وأول عطر، وأول لغة استخدمها البشر لفهم الجسد والروح.

النباتات الطبية والعطرية
ومع تحول الاقتصاد العالمي نحو المنتجات الطبيعية، لم تعد النباتات الطبية والعطرية مجرد محاصيل زراعية هامشية، بل أصبحت جزءًا من معركة اقتصادية عالمية تتداخل فيها الزراعة بالصناعة، والعلم بالتجارة، والجمال بالعلاج؛ فكل قطرة زيت عطري تحمل وراءها رحلة كاملة تبدأ من الأرض وتنتهي في معامل الأدوية والعطور العالمية.
وفي هذا السياق، تبدو المشروعات الحديثة مثل مصنع "إيجى هيربال" أكثر من مجرد منشآت صناعية؛ إنها محاولة لإعادة اكتشاف قيمة ما تملكه الأرض المصرية من كنوز خضراء قادرة على صناعة الثروة؛ فحين تتحول الأعشاب إلى صناعة، وتتحول الرائحة إلى اقتصاد، يصبح الاستثمار في النباتات الطبية والعطرية ليس رفاهية زراعية، بل رؤية لمستقبل يبحث فيه العالم عن الطبيعة بعد سنوات طويلة من الارتهان للمواد الصناعية.
محافظة الفيوم
بدأت القصة في قلب محافظة الفيوم، وتحديدًا بمنطقة الفتح الصناعية بكوم أوشيم، حيث يقف مصنع "إيجى هيربال" كنموذج جديد يعكس التحول الذي تشهده مصر في ملف النباتات الطبية والعطرية، من مجرد زراعة تقليدية لمحاصيل تصديرية، إلى صناعة متكاملة تستهدف تحقيق قيمة مضافة وتعزيز مكانة المنتج المصري في الأسواق العالمية.
المصنع، الذي أُقيم على مساحة تصل إلى 4 آلاف متر مربع، وبتكلفة استثمارية بلغت نحو 50 مليون جنيه، يمثل أحد المشروعات الواعدة في قطاع الصناعات الزراعية الحديثة، حيث يختص بتجفيف وغربلة النباتات الطبية والعطرية وفق أحدث المعايير الفنية والتكنولوجية، تمهيدًا لتصديرها إلى عدد من الأسواق الدولية الكبرى، من بينها الولايات المتحدة الأمريكية، وكندا، وأستراليا، وألمانيا.

ولا تتوقف أهمية المشروع عند كونه منشأة صناعية للتصدير فقط، بل تمتد ليشمل دوره في دعم الاقتصاد المحلي وتوفير فرص العمل، إذ يوفر المصنع نحو 40 فرصة عمل مباشرة للشباب، فضلًا عن مساهمته في تنشيط سلاسل الإنتاج الزراعي المرتبطة بمحاصيل النباتات الطبية والعطرية داخل محافظة الفيوم والمحافظات المجاورة.
ثروة اقتصادية غير تقليدية
وخلال السنوات الأخيرة، أصبحت النباتات الطبية والعطرية واحدة من أهم القطاعات الزراعية الواعدة في مصر، نظرًا لما تتمتع به من قيمة تصديرية مرتفعة، وقدرة على تحقيق عوائد اقتصادية كبيرة مقارنة بالمساحات المزروعة.
وتشير البيانات الرسمية إلى أن مصر تزرع أكثر من 30 نوعًا من النباتات الطبية والعطرية على مساحة تقترب من 80 ألف فدان، فيما تضم الفلورة المصرية أكثر من 2500 نوع من النباتات الطبية والعطرية المختلفة، وهو ما يمنح مصر تنوعًا بيئيًا وزراعيًا نادرًا.
وتأتي على رأس المحاصيل الأكثر انتشارًا الكمون، الينسون، الشمر، الكراوية، الكزبرة، النعناع، البردقوش، الريحان، الزعتر، البابونج، الكركديه، حشيشة الليمون.
ويتركز نحو 80% من زراعة النباتات الطبية والعطرية في أربع محافظات رئيسية هي الفيوم، بني سويف، المنيا، أسيوط، فيما تتوزع النسبة المتبقية على محافظات أخرى مثل أسوان والغربية.
صادرات تتجاوز المساحات
ورغم أن النباتات الطبية والعطرية تمثل نحو 1% فقط من إجمالي الأراضي الزراعية في مصر، فإنها تحتل المركز الخامس بين المحاصيل التصديرية من حيث القيمة الاقتصادية، وهو ما يعكس حجم الطلب العالمي المتزايد على المنتجات الطبيعية والزيوت العطرية.

وتصدر مصر نحو 95% من إنتاجها من النباتات الطبية والعطرية إلى الخارج، سواء في صورة أعشاب مجففة أو زيوت أو عجائن عطرية، مثل "عجينة الياسمين" الشهيرة التي تنتج في محافظة الغربية وتصدر إلى فرنسا لاستخدامها في صناعة أفخم العطور العالمية.
ويؤكد خبراء الزراعة أن المنتج المصري يتمتع بميزة تنافسية كبيرة بفضل طبيعة المناخ والتربة، وهو ما يظهر بوضوح في محاصيل مثل الكمون المصري، الذي يصنف كأغلى وأجود أنواع الكمون عالميًا من حيث نسبة الزيوت والمواد الفعالة.
من تصدير الخام للتصنيع
فيما يمثل مصنع "إيجى هيربال" أحد النماذج العملية التي تعكس توجه الدولة نحو التحول من تصدير المواد الخام إلى التصنيع الزراعي المتكامل، حيث تستهدف خطة وزارة الزراعة بحلول عام 2030 التوسع في زراعة النباتات الطبية والعطرية لتصل المساحة المزروعة إلى نحو 250 ألف فدان، مع تعزيز الصناعات المرتبطة بها.
ويهدف هذا التوجه إلى تعظيم القيمة المضافة للمنتجات المصرية، من خلال تصنيع الزيوت العطرية، ومستحضرات التجميل، والمنتجات الدوائية، بدلًا من الاكتفاء بتصدير النباتات في صورتها الخام.
صناعات متعددة وفرص واعدة
وتدخل النباتات الطبية والعطرية في عشرات الصناعات الحيوية، من بينها صناعة الأدوية، العطور ومستحضرات التجميل، الصناعات الغذائية، المشروبات الطبيعية، الزيوت العلاجية، المبيدات الطبيعية، الصابون والمنظفات، الألوان الطبيعية.

كما يشهد العالم حاليًا توجهًا متزايدًا نحو استخدام المنتجات الطبيعية والابتعاد عن المواد الكيميائية المصنعة، ما يمنح مصر فرصة ذهبية لتعزيز حضورها العالمي في هذا القطاع.
وفي النهاية وفي ظل هذه المعطيات، تبدو مشروعات مثل "إيجى هيربال" أكثر من مجرد مصانع للتجفيف والتعبئة، بل جزءًا من رؤية اقتصادية جديدة تراهن على "الذهب الأخضر" كأحد مفاتيح التنمية الزراعية والصناعية والتصديرية في مصر خلال السنوات المقبلة.



