د. رضا فرحات يكتب: فخ ثوسيديدس.. هل ينجو العالم من صراع الكبار؟
العلاقات بين القوى الكبرى لا تتحرك بالعواطف، بل بالمصالح والقلق والخوف من فقدان النفوذ، هذا بالضبط ما يحدث اليوم بين الولايات المتحدة والصين، صراع مفتوح، لكنه محسوب، تنافس شرس، لكن دون رغبة حقيقية في الانفجار الكامل، العالم يقف أمام معادلة معقدة؛ أمريكا تريد الحفاظ على قيادة النظام الدولي، والصين تريد مكانا يليق بقوتها الاقتصادية والسياسية والعسكرية، وكل طرف يرى نفسه الأحق بالتأثير، وكل طرف يخشى صعود الآخر.
هنا يظهر ما يعرف بـ"فخ ثوسيديدس"، وهو المفهوم الذي يشرح كيف يمكن أن تقود مخاوف القوة المهيمنة من صعود قوة جديدة إلى الحرب، التاريخ مليء بهذه النماذج، من أثينا وأسبرطة إلى بريطانيا وألمانيا، صعود قوة جديدة كان دائما يخلق حالة من التوتر الحاد، لكن العالم الآن مختلف، الاقتصاد متشابك، وسلاسل الإمداد مترابطة، وأي مواجهة مباشرة لن تدمر طرفا واحدا فقط، بل ستصيب الاقتصاد العالمي كله.
لهذا تحاول واشنطن وبكين إدارة الصراع لا تفجيره، الرسائل المتبادلة بين الجانبين أصبحت أكثر هدوءا مقارنة بفترات سابقة، وهناك إدراك متزايد بأن الاستمرار في التصعيد يحمل تكلفة هائلة، أمريكا تعرف أن الصين لم تعد مجرد مصنع للعالم، بل أصبحت قوة تكنولوجية وعسكرية حقيقية، والصين تدرك أن الدخول في مواجهة مفتوحة مع واشنطن قد يعرقل مشروعها الاستراتيجي لعقود طويلة.
من هنا نرى محاولات مستمرة لإعادة ضبط العلاقة بين البلدين عبر اللقاءات السياسية والاتصالات العسكرية والمفاوضات الاقتصادية ومساحات التهدئة المحسوبة، لكن التهدئة لا تعني انتهاء الصراع، لأن الخلافات ما زالت عميقة ومتعددة، وفي مقدمتها ملف تايوان الذي يبقى أخطر نقاط الاشتباك بين الطرفين، الصين تعتبر الجزيرة جزءا من أراضيها وترفض أي دعم أمريكي يمنحها وضعا مستقلا، بينما ترى واشنطن أن حماية تايوان جزء من استراتيجيتها في آسيا والمحيط الهادئ.
هناك أيضا صراع التكنولوجيا، وهو من أخطر ملفات التنافس الحالي، الولايات المتحدة تحاول إبطاء التقدم الصيني في مجالات الرقائق الإلكترونية والذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المتقدمة، بينما تعمل الصين على تحقيق الاكتفاء وتقليل الاعتماد على الغرب، الصراع لم يعد عسكريا فقط، بل أصبح اقتصاديا وتكنولوجيا ومعلوماتيا، وأصبح النفوذ يقاس بالقدرة على السيطرة على المعرفة والتقنيات الحديثة.
إضافة إلى ذلك، هناك سباق نفوذ عالمي يمتد من إفريقيا إلى الشرق الأوسط إلى بحر الصين الجنوبي، وصولا إلى المؤسسات الاقتصادية الدولية، كل ساحة أصبحت جزءا من المنافسة الكبرى بين واشنطن وبكين، ومع ذلك، يتحرك الطرفان بحذر شديد، لأن أحدا لا يريد تكرار أخطاء التاريخ، ولا أحد يستطيع ضمان نتائج الحرب إذا بدأت.
الصين تفضل الصعود الهادئ عبر الاقتصاد والتجارة والاستثمارات والتوسع في الشراكات الدولية، بينما تدرك أمريكا، رغم استمرارها كأقوى قوة عالمية، أن العالم لم يعد أحاديا كما كان بعد سقوط الاتحاد السوفيتي، و هناك توازنات جديدة تتشكل، وقوى إقليمية ودولية أصبحت أكثر استقلالا في قراراتها وتحركاتها السياسية والاقتصادية.
لهذا تحاول واشنطن احتواء الصين لا الدخول في حرب معها، وتحاول بكين كسب الوقت لا الصدام المباشر، والحقيقة أن العالم لا يعيش حربا باردة تقليدية كما يتصور البعض، لأن الاقتصاد الأمريكي يحتاج السوق الصينية، والصين تحتاج التكنولوجيا والأسواق الغربية، العلاقة بين الطرفين تحمل التناقض الكامل؛ تنافس وتعاون في الوقت نفسه، وصراع واعتماد متبادل في اللحظة ذاتها.
وهذا ما يجعل إدارة الأزمة أكثر تعقيدا، لكنه يجعل الحرب أقل احتمالا أيضا، الرهان الحقيقي الآن ليس على إنهاء الصراع، بل على منع تحوله إلى مواجهة عسكرية مباشرة، القوى الكبرى تدرك أن القرن الحادي والعشرين لا يحتمل حربا عالمية جديدة، ليس فقط بسبب الاعتبارات السياسية، بل بسبب حجم الخسائر الاقتصادية والاستراتيجية المتوقعة.
لذلك يمكن القول إن ما يجري حاليا هو محاولة جديدة للهروب من فخ ثوسيديدس، محاولة لتأجيل الصدام أو احتوائه أو إعادة صياغة قواعد المنافسة الدولية بشكل يمنع الانفجار الكبير، لكن النجاح في ذلك ليس مضمونا، لأن أخطر ما في العلاقات الدولية ليس قوة الدول فقط، بل سوء التقدير أيضا، خطأ واحد قد يغير كل الحسابات، ومناورة غير محسوبة قد تدفع الجميع إلى حافة الهاوية.
ولهذا سيظل السؤال مطروحا: هل تنجح واشنطن وبكين في إدارة التنافس بعقلانية؟ أم يعيد التاريخ نفسه بصورة أكثر خطورة؟ الإجابة لم تحسم بعد، لكن المؤكد أن العالم كله يدفع ثمن هذا الصراع، حتى قبل أن يقع.

