رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري
الجمهور الإخباري
رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري

الحلقة 79.. شهادات وذكريات يرويها مصطفى بكري لـ«الجمهور».. الجولة الأولى

الإعلامي مصطفي بكري
الإعلامي مصطفي بكري

لم يصدق المصريون حتى اللحظة الأخيرة، أن الانتخابات الرئاسية فى جولتها الأولى يمكن أن تجرى بسلام، ودون أى أحداث عنف تُذكر، كان الجيش قد انتشر فى شتى أنحاء البلاد، وقد بلغ عدد القوات المشتركة من الجيش والشرطة نحو 250 ألف ضابط وجندى، انتشروا فى شتى أنحاء البلاد، وكانوا طرفًا أساسيًا فى تنفيذ الإجراءات التى تضمن نزاهة العملية الانتخابية.

 

مصطفى بكري يكتب: شهاداتي وذكرياتي الحلقة 79.. الجولة الأولى


فى 20 مايو 2012، أى قبيل الانتخابات الرئاسية بنحو ثلاثة أيام تقريبًا كان مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء قد أعلن نتيجة الاستطلاع الموسع الذى أجراه على عينات مختلفة من المواطنين فى مناطق جغرافية عديدة، وقد جاءت النتيجة على الوجه التالي:
الفريق أحمد شفيق 12٪، عمرو موسى 11٪، حمدين صباحى 7٪، د.عبدالمنعم أبو الفتوح 7٪، د.محمد مرسى 7٪، والنسبة الباقية ما بين ممتنع أو موزع على الآخرين.
أما استفتاء قناة العربية فقد أشارت نتيجته إلى تفوق د.أحمد شفيق حيث حصل على نسبة 37٪ من جملة التصويت، فى حين حصل حمدين صباحى على 29٪، ثم د.عبدالمنعم أبو الفتوح 19٪، وعمرو موسى  8٪، د.محمد مرسى 4٪، د.سليم العوا 1٪.
كانت تلك عينة من استطلاعات الرأى التى أُجريت فى هذا الوقت، غير أن النتائج الانتخابية عكست واقعًا مختلفًا، فلقد تابع المصريون إعلان النتائج الانتخابية حتى وقت متأخر من صباح الجمعة 25 مايو 2012، وكانت النتائج مبهرة للبعض وصادمة لآخرين.
توقف المراقبون كثيرًا أمام هذا الصعود المفاجئ للمرشح حمدين صباحى على حساب المرشحين عمرو موسى وعبدالمنعم أبو الفتوح .. وأبدوا دهشتهم من النتائج التى أسفرت عن جولة إعادة بين محمد مرسى وأحمد شفيق.
لقد كانت المؤشرات واستطلاعات الرأى تشير حتى قبيل أيام معدودة من انطلاق ماراثون انتخابات الرئاسة إلى أن د.عبدالمنعم أبو الفتوح سيكون فرس الرهان فى هذه المعركة، ولم يتصور أحد أن يتراجع مركزه الانتخابى بهذه الطريقة ليحتل المركز الرابع، وهو الذى رشحته جميع استطلاعات الرأى لدخول جولة الإعادة بكل تأكيد!!
ولم يرد إلى عقول جميع المتابعين للمعركة الانتخابية أن عمرو موسى سيرتد إلى الترتيب الخامس فى ضوء النتائج الأولية المعلنة، وهو أمر لم يصب الرجل وحملته بالصدمة فقط، بل أصاب كثيرين بالذهول أمام مؤشر الصعود والهبوط الذى فاجأ الكثيرين!!
لقد قال عمرو موسى إنه ربما سيأتى وقت ليكشف فيه وقائع ما جرى، غير أن هناك مؤشرات عديدة بدأت تتضح أبعادها، وأسبابها، ترجح وتكشف عن الأسباب الحقيقية لهذا الانقلاب الذى شهدته بورصة الانتخابات الرئاسية فى جولتها الأولى فى هذا الوقت.
كان عمرو موسى قد بنى حساباته منذ اليوم الأول لانطلاق حملته التى سبقت الجميع بكل تأكيد - على إمكانية تحقيق الفوز استنادًا إلى ثلاثة أسباب جوهرية:
الأول: أن الساحة السياسية بدت بعد سقوط النظام السابق مهيأة لرجل دولة من طراز مختلف اكتسب فى الذاكرة المصرية شعبية واسعة، انطلاقًا من مواقفه السابقة، تجعله المؤهَّل لذلك الموقع، فقد سبق أن شغل منصب وزير الخارجية ثم الأمين العام لجامعة الدول العربية، وكان له دوره الوطنى المتميز، الذى أكسبه احترامًا كبيرًا فى الشارعين المصرى والعربى على السواء، كما أنه كان ضحية مؤامرة، حيث جرى العصف به من موقعه إرضاءً للأمريكيين والإسرائيليين!!
ثانيًا: كان موسى يرى أنه لا يمكن أن يُحسب على النظام السابق، فهو لم يرتبط بالحزب الوطنى الحاكم، ولم يتورط فى جرائم فساد سياسى أو اقتصادى، وظن أن هذا سيشفع له عند جمهور عريض لن يحتسبه ضمن زمرة المرتبطين بنظام مبارك الذى هوى!!
ثالثًا: ثم إنه يتمتع »بكاريزما« وخبرة يمكن أن تدفع الكثيرين إلى تفضيله علي غيره من المرشحين على منصب الرئيس.
-أما الدكتور عبدالمنعم أبو الفتوح- المرشح الرئاسى ذو الجذور الإسلامية فقد كان يرى هو الآخر أنه الأحق؛ فهو لايزال يتمتع بحيوية الشباب، كما انه ينتمى إلى تيار عريض فى الشارع المصرى، له تواجده وتجربته وخبراته، وهو تيار الإخوان المسلمين، بغض النظر عن الإجراءات التنظيمية التى اتخذها مكتب الإرشاد ضده، كما أنه من المحسوبين على تيار الثورة المصرية، وله تواصل مع الائتلافات الشبابية المعبرة عنها، والأهم أنه لم يكن من رموز أو أتباع النظام السابق.
لقد استند عبدالمنعم أبو الفتوح فى انطلاقته منذ البداية إلى ذلك الحوار المهم والصدامى الذى جرى بينه وبين الرئيس الأسبق أنور السادات فى حقبة السبعينيات، حول مشكلات مصر، وكان فيه أبو الفتوح شجاعًا وقويًا فى مواجهة رئيس الدولة الذى كان حادًا وعنيفًا فى مواقفه!!
وجاء حمدين صباحى، القيادى الناصرى، ليقرر خوض المعركة، مستندًا إلى تجربته السياسية، ومعاناته الشخصية والضربات التى تلقاها من النظام السابق، وتواصله مع المتظاهرين، الذين شاركهم منذ البداية.
أما الفريق أحمد شفيق فقد قرر هو الآخر خوض السباق الرئاسى بعد طول مراجعة، لقد ظل الرجل يدرس الموقف من جميع أبعاده، غير أنه وجد الفرصة سانحة، خاصة بعد خروج اللواء عمر سليمان من السباق الرئاسى بسبب وجود نقص فى التوكيلات التى تقدَّم بها إلى لجنة الانتخابات الرئاسية.
وكان شفيق يستند إلى تاريخه العسكرى، وعدم انخراطه فى الحزب الوطنى السابق، وإلى تجربته فى وزارة الطيران التى تولى أمرها لعدة سنوات وحقق خلالها إنجازات واضحة للعيان.
لقد أدرك شفيق حاجة المصريين إلى رجل حاسم يضع حدًا للفوضى السائدة فى المجتمع، ويعيد الأمن والاستقرار إلى البلاد، وكان يرى أنه الشخص المؤهل لذلك، كما أنه قدم نفسه على أنه الأكثر قدرة ووضوحًا فى مواجهة تيار الإخوان المسلمين.
-أما محمد مرسى- الذى وجد نفسه فجأة يخوض الانتخابات الرئاسية من حيث لا يحتسب، بعد استبعاد المهندس خيرت الشاطر ــ فقد أدرك منذ اليوم الأول انه سيكون الحصان الرابح فى هذه الانتخابات، لأنه يدرك أنه الوحيد الذى يقف خلفه تنظيم سياسى كبير، وإمكانات مادية وطاقات بشرية هائلة.
ولذلك ما إن تقدم بأوراق ترشحه فى اليوم الأخير من فتح باب الترشيح، حتى بدأت خلايا ووحدات تنظيم الإخوان المسلمين وحزبه «الحرية والعدالة» تتحرك فى كل أنحاء البلاد، تدعو للرئيس المنتظر.
وحتى هذا الوقت، لم تكن الصورة قد كشفت عن تفاصيلها وأبعادها كاملة، كانت كل الخيارات مفتوحة، وكانت أسهم المرشحين تتبدل صعودًا وهبوطًا، أما استطلاعات الرأى فقد كانت حتى هذا الوقت تضع عبدالمنعم أبو الفتوح وعمرو موسى فى المقدمة، فى مقابل ذلك كان مركز كل من د.محمد مرسى وحمدين صباحى يبدو فى المؤخرة .. أما أحمد شفيق فقد كان يصعد رويدًا رويدًا.
لقد جاءت المناظرة التاريخية التى جرت بين موسى وأبوالفتوح على شاشات الفضائيات لتعيد رسم الخارطة من جديد، فقد تراجعت اسهم كل منهما، بينما بدأت أسهم أحمد شفيق وحمدين صباحى تتصاعد، أما الدكتور محمد مرسى فقد ظل حتى هذا الوقت فى مركز متأخر فى استطلاعات الرأى، سواء تلك التى كانت تصدر عن مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء أو تلك التى تصدر عن مراكز دراسات وصحف ووسائل إعلام عديدة.
لم يكن أحد حتى هذا الوقت يتنبأ بصعود د.محمد مرسى ليدخل جولة الإعادة، فقط أولئك الذين استطاعوا قراءة المشهد جيدًا كانت لديهم قناعة مختلفة، إنهم يعرفون قوة تنظيم الإخوان وقدرته على الحشد وتوجيه الرأى العام.
لقد كان الموقف من المؤسسة العسكرية ومجلسها الأعلى حاسمًا فى توجهات الرأى العام، وكان د.عبدالمنعم أبو الفتوح هو الأكثر تشددًا فى هذا الموقف، وبدأ يعطى تلميحات إلى أنه سيحاسب المجلس العسكرى إذا ما وصل للسلطة، كما أنه بدا قبيل الانتخابات بقليل وكأنه يؤيد حصار وزارة الدفاع والهجوم عليها.
ومن ثم استاء الكثيرون من هذا الموقف، واعتبروا أن صعود عبدالمنعم أبو الفتوح إلى منصب الرئيس من شأنه أن يقود إلى صراع حاد مع المؤسسة العسكرية، التى لن تقبل بتوجهاته، وهو أمر يمكن أن يدفع البلاد إلى ساحة مواجهة واسعة.
لقد شهدت الأيام القليلة التى سبقت الانتخابات استقطابًا حادًا لقطاعات مجتمعية واسعة، فقد انقسمت الحركة السلفية ما بين جناح مؤيد للدكتور محمد مرسى، وآخر مؤيد للدكتور عبدالمنعم أبو الفتوح، وحدث الأمر نفسه بالنسبة لائتلافات شباب الثورة التى راح أغلبها يؤيد حمدين صباحى، بينما راحت مجموعات أخرى تقف إلى جانب د.عبدالمنعم أبوالفتوح.
والتفّت قوى وفاعليات عديدة حول الفريق أحمد شفيق، كان الأقباط فى مقدمتها، حيث نال النصيب الأكبر من أصواتهم، وكان إلى جواره حشود من الجماهير القلقة على مستقبل الوطن والباحثة عن أمنه واستقراره.
أما رموز الحزب الوطني ونوابه السابقون بالمحافظات فقد وجدوا أنفسهم فى قلب المعركة مع أحمد شفيق، إنهم يريدون الرد على الإهانة التى لحقت بهم، والخروج من حالة السلبية والتقوقع التى فُرضت عليهم، والتدليل أيضًا على عصبيتهم القبلية والعائلية ونفوذهم الواسع، وحاجتهم إلى رئيس دولة لا يسعى إلي تصفية الحسابات معهم!!
إن التاريخ سيتوقف طويلاً أمام هذا المشهد الذى يبدو أقرب إلى الحلم والخيال، والذى جرت وقائعه يومى الأربعاء والخميس 23، 24 مايو من العام 2012.
كان المصريون على موعد مع القدر، إنها أول انتخابات رئاسية تنافسية حرة منذ ولادة الدولة المصرية الحديثة، تنافس فيها 13 مرشحًا ينتمون إلى مختلف ألوان الطيف السياسى والاجتماعى، دون شروط مانعة أو تدخل من قِبل السلطة، أو سعى لمؤازرة مرشح معين.
لقد صمم المجلس الأعلى للقوات المسلحة على إجراء الانتخابات الرئاسية فى موعدها، رغم كافة المخططات التي ااستهدفت قطع الطريق على الانتخابات البرلمانية وعدم إتمامها.
لقد قرر المشير طنطاوي - رئيس المجلس الأعلى - المضى قدما فى خطة تسليم السلطة إلى رئيس منتخب.. كان يعرف أن ما جرى من اعتصامات وتظاهرات فى العباسية يهدف إلى عرقلة اجراء الانتخابات الرئاسية فى موعدها إلا أنه صمم على الاستمرار..
كانت هناك مخاوف عديدة من أعمال عنف ومعوقات يمكن أن تقطع الطريق على هذه الانتخابات، وكانت هناك عمليات تحريض مستمرة، تزعم إن الجيش ينوى تزوير الانتخابات لصالح أحد المرشحين من أبناء المؤسسة العسكرية، وكان المقصود بذلك الفريق أحمد شفيق، فى حين كان هناك من يرى أن المجلس العسكري لن يترك السلطة بسهولة وأنه يحضِّر لمفاجأة قد تقلب الأوضاع رأسًا على عقب، غير أن الواقع كان شيئًا مختلفًا.


لقد مضت الانتخابات بسهولة ويسر، وصمم الجيش والشرطة والقضاء على إجراء الانتخابات بنزاهة وشفافية، حيث جرى التعامل بحسم مع أى تجاوزات كانت تحدث داخل اللجان الانتخابية أو خارجها.


واستطاع المجلس الأعلى للقوات المسلحة الذى كان يحكم البلاد منذ 11 فبراير 2011 أن يؤكد للمصريين جميعًا أنه أوفى بالعهد الذى قطعه على نفسه، وأنه غير راغب فى الاستمرار فى السلطة أو الاستئثار بها، وأنه تحمل شتي الإهانات من قِبل بعض المتطاولين ورفض الاستجابة لمحاولة الاستفزاز، انتظارا لهذا العرس التاريخي.


ظل المصريون يتابعون نتائج الانتخابات من شاشات الفضائيات والتليفزيون المصرى، سهروا حتى الصباح، ووقف الكثيرون منهم مندهشين أمام هذا الصعود الكبير فى أسهم المرشح الرئاسى حمدين صباحى تحديدًا، وانتظروا تحقيق مفاجأة مدوية!!
استطاع حمدين صباحى أن يتفوق فى العديد من المحافظات على جميع المرشحين، بمن فيهم مرشح الإخوان المسلمين نفسه، وكان ذلك مدعاة لتساؤل كبير من بعض الأطراف السياسية!!
لقد اشتبك ضياء رشوان - مدير مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام - مع نادر بكار المتحدث باسم حزب النور السلفى، عندما تحدث الأخير على شاشة قناة الأوربت عن صفقة تمت بين حمدين صباحى وإحدى القوى السياسية - وكان يقصد الإخوان - هدفها مساعدة حمدين على ضرب الالتفاف الواسع حول د.عبدالمنعم أبوالفتوح، حتى لا يحقق الفوز ويصبح وجها لوجه فى مواجهة د.محمد مرسى لأنه بالقطع سوف يفوز على د.محمد مرسى حال وصوله إلى جولة إعادة معه.. هكذا كانت توحى كلماته واتهاماته.


فنّد ضياء رشوان هذه الادعاءات وراح بدوره يتحدث عن صفقات انتخابية لبعض السلفيين، ويوجه إليهم انتقادات شديدة ويدافع عن شعبية حمدين الذى التفّ حوله الشباب من كل اتجاه، وكانوا السبب الأساسى وراء صعوده إلى المركز الثالث.
لقد اندهش البعض أيضًا من هذا الصعود الكبير للفريق أحمد شفيق الذى شُنَّت ضده حروب شديدة فى وسائل الإعلام المختلفة، وجرى تصويره على أنه قاتل للشهداء، وواحد من الرجال المقربين لحسنى مبارك، وأنه يسعى إلى إعادة إنتاج النظام السابق والعفو عن رموزه..
لقد حصل الفريق شفيق على 23.9٪ من مجموع الأصوات، فى حين لم يزد ما حصل عليه محمد مرسى - الذى يقف خلفه تنظيم سياسى كبير - على 24.8٪، وحصل حمدين صباحى على نسبة 20.5٪، أما د.عبدالمنعم أبوالفتوح فقد تراجعت نسبة التصويت له لتصل إلى 17.4٪، فى حين لم يحصل عمرو موسى إلا على 11.2٪!!


ومع الإعلان الأوّلى عن هذه النتيجة، أدركت جماعة الإخوان المسلمون أن الأمر جد لا هزل فيه، وأن أحمد شفيق بات يهدد حلم الإخوان فى الوصول إلى منصب رأس الدولة المصرية، فراحت تشن فى مواجهته حملة شرسة، شاركتهم فيها بعض القوى الأخرى، بهدف تشويه سمعته وصورته تمهيدًا لإسقاطه فى جولة الإعادة لصالح د.محمد مرسى.


وسعى الإخوان أيضًا إلى تبنى شعارات الثورة فى حملتهم، حتى بدا الأمر وكأنهم وحدهم صُنَّاعها، وراحوا يجيِّشون القوى السياسية المختلفة والمرشحين الرئاسيين لمواجهة ما أسموه بعودة نظام مبار ك من جديد..
وراحت الجماعة تعلن على لسان مرشحها د.محمد مرسى الاستعداد لشراكة سياسية مع جميع القوى السياسية بلا استثناء، كما وجّه حزب الحرية والعدالة «الذراع السياسية للإخوان» دعوة إلى رؤساء الأحزاب ومرشحى الرئاسة للاجتماع لتدارس الوضع فى ضوء صعود أحمد شفيق إلى جولة الإعادة بأصوات تقترب من الأصوات التى حصل عليها محمد مرسى وبفارق ضئيل لا يتعدي 259 ألف صوت.
كان الإخوان يأملون من وراء هذا الاجتماع الوصول إلى صيغة اتفاق موحد يستند إلى شراكة فى الحكم فى مقابل التوحد بهدف إسقاط المرشح المنافس الذى يهدد مسيرة الثورة، كما كانوا يروِّجون.


ورغم اعتذار كل من حمدين صباحى وعبدالمنعم أبوالفتوح عن عدم المشاركة فى هذا الاجتماع، فإن حضور الأحزاب السياسية كان ضعيفًا، واقتصر على بعض ممثلى رؤساء هذه الأحزاب، مما خلق إحباطًا لدى المرشح الرئاسى د.محمد مرسى وجماعته.
لقد راح د. مرسى يلوح بالمناصب للمرشحين الرئاسيين صباحى وأبوالفتوح وللأحزاب أيضًا، عندما أدلى بتصريحات فى أعقاب هذا المؤتمر الذى عُقد يوم السبت 26 مايو 2012 حيث قال: «إنه من الممكن أن يكون هناك نائب أو أكثر فى الرئاسة، وأنه ليس بالضرورة أن يكونوا منتمين إلى حزب الحرية والعدالة»، بل قال «إن رئيس الحكومة المقبلة من الممكن أن يكون من خارج الحزب أيضًا»!!


أما الدكتور محمد البلتاجي - العضو البرلمانى البارز فى حزب الحرية والعدالة - فقد اختصر المشهد بقوله: «إن الوقت الحالى يسمح بإقامة مشروع شراكة بين جميع القوى والفصائل السياسية«. وأضاف: »إن الفرصة باتت سانحة لمشروع شراكة استراتيجية حقيقية، وأن الخطر يتهددنا جميعًا»!!


كانت تلك الكلمات تعكس طبيعة الأزمة التى فرضت نفسها على جماعة الإخوان وسبل الخروج منها، خاصة بعد أن أدركوا - أمام تدنى نسبة الأصوات التى حصلوا عليها قياسًا بقوتهم التنظيمية - أنه لا خيار أمامهم سوى الحصول على دعم هذه القوى لصالح د.محمد مرسى فى مقابل منح البعض منهم مقاعد رئاسية أو حكومية حال فوز الإخوان بمنصب الرئيس.
لقد أدرك الإخوان أن الأصوات التى ذهبت إلى ثلاثة من المرشحين من دعاة الدولة المدنية وهم أحمد شفيق وحمدين صباحى وعمرو موسى بلغت وحدها 55.6٪،  وهو أمر يمثل خطرًا شديدًا على مرشحهم.

فى حين بلغت نسبة الأصوات التى حصل عليها د.محمد مرسى ود.عبدالمنعم أبوالفتوح مجتمعين حوالى 42.2٪، أما نسبة الـ2.2٪ المتبقية التى حصل عليها مرشحون آخرون فهى وإن كانت لا تزال حائرة سيتجه أغلبها بالتأكيد بعيدًا عن مرشح الإخوان!!
وإذا كنا نقول إن أحدًا من المرشحين لا يستطيع أن يُلزم أيًا من منتخبيه بأن يمنح صوته لهذا الطرف أو ذاك، فإن كل الخيارات باتت مفتوحة، هناك من يرى أن اختيار محمد مرسى بغض النظر عن الخلاف أو الاتفاق فيه ضمانة لعدم عودة إنتاج النظام السابق بأى صورة من الصور، وأنه يتوجب نسيان الخلافات الأيديولوجية والتاريخية فى هذه اللحظة تحديدًا وإعلاء قيم التوافق والمشاركة؛ إنقاذًا للثورة وأهدافها.


وعلى الطرف الآخر يرى البعض من المختلفين مع أحمد شفيق، أن انتخابه ضرورة لإنقاذ البلاد من سيطرة الإخوان واستيلائهم على مفاصل الدولة المصرية وتغيير هويتها وجيناتها وضمانة لتحقيق المصالحة الوطنية والتوقف عن تصفية الحسابات ودفع البلاد إلى الأمام.
وكان أصحاب هذا الرأى يرون أن أحمد شفيق سيكون حريصًا على التخلى عن النظام السابق ورموزه وتوجهاته، وأنه من السهل اقتلاعه من الحكم حال نكوصه بوعده لهم، غير أن أحدًا لن يستطيع أن يزحزح الإخوان عن السلطة ولو لعشرات السنين إذا ما تبوءوها؛ لأنهم فى هذه الحالة سيكونون قد امتلكوا ناصية السلطتين التنفيذية والتشريعية، وأنهم قد يدفعون بالبلاد إلى مشكلة حقيقية مع الداخل والخارج.
لقد بدأت الأطراف والقوى السياسية والاجتماعية المختلفة فى حشد قواها إلى جانب هذا الطرف أو ذاك، وفى الوقت الذى بدا فيه الخطاب الإخوانى عصبيًا وحادًا فى مواجهة المنافس الآخر، راح أحمد شفيق يبعث برسائل سياسية تقول إنه مستعد للتعاون مع الجميع، خاصة شباب الثورة بقوله إن الثورة قد خُطفت منهم، وإنه آن الأوان ليحصلوا على حقوقهم التى أُهدرت ويتبوءوا المواقع التنفيذية التى تمكنهم من تحقيق أهداف الثورة.


لقد صرح أحمد شفيق فى أكثر من لقاء صحفى وإعلامى عقب إعلان نتيجة الانتخابات بأنه مستعد للتعاون مع جميع القوى السياسية وتكليف حزب الأكثرية بتشكيل الحكومة المقبلة، والتواصل معها أيًا كان انتماؤه السياسى.


ويبدو أن هذه اللغة دفعت العديد من القوى التى تقف على النقيض من مواقف أحمد شفيق إلى أن تعلن استعدادها للحوار معه، وتطلب منه الضمانات الكافية التى تؤكد التزامه بأهداف الثورة وعدم العفو عن أى من رموز النظام السابق والتواصل مع الجميع دون استثناء.
وكان لافتًا للنظر صدور تصريح إعلامى منسوب للدكتور طارق فهيم أمين حزب النور بالإسكندرية قال فيه: «إن الحزب سيقبل بنتائج الانتخابات فى حال فوز الفريق أحمد شفيق مادام قد جاء بإرادة الشعب ومن خلال صناديق الانتخابات وبشفافية كاملة ودون تدخل من أحد، وإن الحزب سيرفض أى دعوة للخروج على الشرعية؛ لأن ذلك يعرِّض مصلحة الوطن للخطر ويُدخلنا فى نفق مظلم لا نعلم كيف سنخرج منه، وبالتالى فإن الدعوة التى تطالب بالنزول إلى الشارع فى حال فوز الفريق شفيق مرفوضة تمامًا ولم تصدر عنا»!!


وإلى جانب ذلك قام المهندس أشرف ثابت - وكيل مجلس الشعب السابق، عضو الهيئة العليا لحزب النور - بعدة زيارات إلى الفريق أحمد شفيق، حيث جرى التباحث معه حول الجولة الثانية للانتخابات الرئاسية. كذلك الحال قام الدكتور ياسر برهامى أحد أبرز قادة الدعوة السلفية - بزيارات متعددة إلى الفريق أحمد شفيق فى هذا الوقت دون إعلان يذكر، وكانت هذه الزيارات لا تخلو من معنى ودلالة.


فى هذا الوقت كان المجلس العسكرى يتابع التطورات عن كثب، ولم يسعَ إلى التدخل لصالح الفريق شفيق، كما ردد بعض الذين راحوا يمارسون نوعًا من الابتزاز ضد المجلس العسكرى فى إطار خطة تستهدف إرباكه وتهيئة الأجواء للتحريض الجماهيرى والإقليمى والدولى ضده، واتهامه بالمشاركة فى التزوير حال فوز الفريق شفيق فى الجولة الثانية للانتخابات الرئاسية.


كان المجلس العسكرى يقف بالفعل على مسافة واحدة من جميع المرشحين، رغم علمه أن مرشح جماعة الإخوان قد يفوز فى الانتخابات، إلا أنه رفض التدخل فى مسار العملية الانتخابية بأى شكل من الأشكال.


وفى لقاء سابق مع الفريق سامى عنان، قبيل إجراء الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية بعدة أسابيع، سألته: «مَن فى توقعاتك يمكن أن يحسم الانتخابات الرئاسية؟».


فقال لي »أتوقع أن يدخل الإعادة كل من محمد مرسى وعبدالمنعم أبو الفتوح، ورئيس الجمهورية لن يخرج عن أى منهما«.
أبديت دهشتى، وقلت له: وهل ستقبل المؤسسة العسكرية بذلك؟ أنت تعرف أن الاثنين ينتميان فى النهاية إلى جماعة الإخوان المسلمين والتى إذا ما وصلت إلى قمة السلطة فى مصر فسوف تحتكرها لنفسها، وتعزل الآخرين، وتعمل على تصفية المعارضين.


- قال لى الفريق سامى عنان: وماذا نفعل، هل مطلوب منا أن نتدخل ونزِّور الانتخابات لصالح مرشح معين؟!


- قلت له: لا أحد يقول ذلك، ولكن المجلس العسكرى فتح الطريق منذ الأيام الأولى لجماعة الإخوان لتفرض سياستها وتمارس الابتزاز على الجميع.
- قال الفريق سامي: قرارات المجلس العسكرى كانت نتاج ضغوط الأحزاب والقوى السياسية، أمامك مثلا قانون انتخابات مجلسى الشعب والشورى، لقد تمسكنا بالمادة الخامسة التى تمنع المرشحين الحزبيين من الترشح على مقاعد المستقلين حتى لا تُصدر المحكمة الدستورية حكمًا فيما بعد ببطلان قانون الانتخابات فيترتب على ذلك حل المجلسين، إلا أن الأحزاب توحدت جميعًا وطالبونا بضرورة التغيير فكان لهم ما أرادوا، بعد أن هددوا بمقاطعة الانتخابات.
- قلت له: ولكن الأيام المقبلة ستكون صعبة على مصر؟!
- قال لى: الشعب المصرى هو صاحب الاختيار.. نحن لن نتدخل؛ لأن تدخلنا تحت أى سبب أو مبرر يعنى أننا نتخلى عن وعودنا بإجراء انتخابات نزيهة، وألا نكرر ما كان يفعله النظام السابق.
أدركت فى هذا الوقت أن الجيش سيقف على الحياد، ولن يقبل أبدًا أن يكون طرفًا فى العملية الانتخابية لصالح أى من المرشحين، كان دوره يقتصر فقط على ضمان نزاهة الانتخابات وإجرائها فى موعدها.
كان هناك من لا يصدقون بحيادية المجلس العسكرى، لقد نجح الإخوان فى هذا الوقت فى حشد العديد من القوى ضد المجلس، وراحوا يروِّجون أن اتفاقًا قد جرى بين الفريق شفيق والمشير طنطاوى لوقوف الجيش خلف المرشح الرئاسى الذي ينتمى إلى أصول عسكرية، وهو أمر أثار انزعاج المجلس العسكرى الذى كان قد حسم خياراته منذ اليوم الأول لتسلمه السلطة من الرئيس السابق فى 11 فبراير من عام 2011.
لقد مارس الإخوان فى هذا الوقت إرهابًا مكشوفًا ضد الجميع بلا استثناء، وقد انطلقت شعاراتهم التى تهدد وتتوعد، وتتهم المجلس العسكرى واللجنة العليا للانتخابات بالاستعداد لتزوير الجولة الثانية من الانتخابات من أجل إنجاح المرشح الرئاسى أحمد شفيق.
فى هذا الوقت جمعنى أكثر من لقاء بالكاتب والمفكر محمد حسنين هيكل، حيث كان الأستاذ قلقًا على الأوضاع فى البلاد فى ضوء حدة الاستقطاب الذى كان سائدًا فى هذا الوقت.
لقد كان رأى الأستاذ هيكل - الذى عبر عنه فى حديث صحفى نشرته صحيفة الأهرام القاهرية فى 20 مايو 2011، أى قبيل إجراء الجولة الأولى للانتخابات الرئاسية - محددًا على الوجه التالى:
- أن الصورة التى وصلت إليها الأوضاع فى مصر حتى هذا الوقت أصبحت مقلقة وحافلة بنُذر الخطر، وقد أخذتنا من الواقع إلى حافة الهاوية.
- أن من سيُكتب له الفوز من المرشَحِيْن الرئاسيين يحتاج إلى معجزة لينجح فى مهمته، وما سمعناه لم يشف غليلا فمعظمه أقرب إلى الإعلان، وهناك من يقول إنه قادر وهناك من يتصور أن لديه ما يؤهله.
- أن كلا من هؤلاء المرشحين قد يكون صادقًا فيما يتصور ولكنى أظن من مجمل ما سمعت أنه ليس لدى واحد منهم فهم كامل للحقيقة أو معرفة كافية بالظروف أو رؤية واضحة لتحقيق ما يتصوره ويعلنه، وخشيتى الحقيقية أنهم فى حاجة إلى معجزة.
لم يكن الأستاذ متفائلا فى هذا الوقت، ويبدو أن الأحداث التى شهدتها البلاد بعد انتخابات الرئاسة وحالة الارتباك والعشوائية والتخبط التى سيطرت على القرار السياسي فى مصر أكدت صحة هذه المخاوف ومصداقيتها.

تم نسخ الرابط