الفجوة بين الإنفاق والنتائج: أزمة الثقة في قدرات أوروبا العسكرية
خلص اجتماع لكبار خبراء الدفاع في لندن مؤخرًا إلى نتيجة صادمة: جميع دول أوروبا غير مستعدة لاندلاع حرب محتملة في السنوات القليلة المقبلة. وتكشف هذه النتيجة عن ترهل خطير في الدفاع الأوروبي، يعكس عقودًا من الإهمال والتقشف الذي طال ميزانيات الدفاع منذ نهاية الحرب الباردة.
فجوات مالية ضخمة
الأرقام تشير إلى حجم الإهمال الدفاعي: لو أن جميع دول الاتحاد الأوروبي أنفقت 2% من الناتج المحلي الإجمالي سنويًا على الدفاع بين 2006 و2020 – وهو الحد الأدنى الذي يفرضه حلف الناتو – لكان الناتج الإضافي حوالي 1.1 تريليون يورو. هذا المبلغ يفوق الميزانية الدفاعية السنوية للولايات المتحدة بأكملها، وفقًا لتقديرات المؤسسات المالية الكبرى.
لكن سنوات من التخفيضات بعد الأزمة المالية العالمية عام 2008، إضافة إلى عقود من التقشف، خلقت فجوات ضخمة، قدّرها مفوض الدفاع الأوروبي بنحو 500 مليار يورو على الأقل، واصفًا إياها بأنها "هائلة".

المجالات الحرجة للجاهزية الدفاعية
ورقة بيضاء صادرة عن المفوضية الأوروبية تحت عنوان "الجاهزية 2030" حددت تسعة مجالات حرجة تحتاج إلى إصلاح عاجل:
1. الدفاع الجوي والصاروخي المتكامل.
2. الممكنات الاستراتيجية: نقل جوي وتزوّد جوي ومراقبة بحرية.
3. شبكة نقل عسكري لتحريك القوات سريعًا.
4. أنظمة المدفعية والصواريخ بعيدة المدى.
5. الذكاء الاصطناعي والحرب السيبرانية.
6. مخزونات الصواريخ والذخيرة شبه الفارغة.
7. الطائرات المسيّرة ومضاداتها.
8. قدرات القتال الأرضي: دبابات ومدرعات.
9. القدرات البحرية لحماية الممرات الحيوية.
هذه المجالات تمثل نقاط ضعف استراتيجية يمكن أن تؤثر بشكل مباشر على قدرة أوروبا على الرد السريع في أي صراع محتمل، لا سيما مع تصاعد التهديد الروسي.
مبادرات "جاهزية 2030"
استجابةً لهذا الواقع المقلق، أطلقت أوروبا برنامجًا طموحًا تحت عنوان "إعادة تسليح أوروبا / الجاهزية 2030"، بهدف تعبئة 800 مليار يورو بحلول نهاية العقد. وتتوزع هذه الأموال على أربعة محاور رئيسية:
• 150 مليار يورو قروض عبر آلية الأمن الأوروبي، والتي استنفدتها 19 دولة بالكامل.
• 650 مليار يورو عبر تفعيل بند الهروب الوطني من قواعد الاستقرار المالي.
• 1.5 مليار يورو لبرنامج الصناعات الدفاعية الأوروبية.
• 8.8 مليار يورو لصندوق الدفاع الأوروبي للبحث والتطوير.
وقد بدأت النتائج تظهر على الورق بالفعل، حيث ارتفع الإنفاق الدفاعي الأوروبي من 218 مليار يورو في 2021 إلى 326 مليار يورو في 2024، بزيادة 30%، وفق البرلمان الأوروبي. وبلغت الاستثمارات الدفاعية 106 مليارات يورو في 2024، ومن المتوقع أن تصل إلى 130 مليار يورو في 2025.
في قمة حلف الناتو في لاهاي (يونيو 2025)، التزمت 31 دولة باستثناء إسبانيا بالإنفاق الدفاعي بنسبة 5% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول 2035، موزعة بين 3.5% للدفاع الأساسي و1.5% للأمن والبنية التحتية.
الشكوك والتحديات الكبرى
رغم هذه الأرقام الكبيرة، يظل الخبراء متشككين في قدرة أوروبا على ترجمة الخطط إلى واقع ملموس قبل فوات الأوان. الباحث في المعهد الملكي للخدمات المتحدة البريطاني، جاك واتلينغ، شدد على أن "هناك خطة بأرقام كبيرة، لكن الحكومات لا تتخذ الخطوات الضرورية لتنفيذها. نحن ما زلنا نخطط بناءً على أشياء غير موجودة".
ويمكن تلخيص التحديات الرئيسية في ثلاثة محاور:
1. الوقت الضيق: تشير تقديرات مركز بلفر في جامعة هارفارد إلى أن السنوات الأكثر احتمالًا لهجوم روسي على حلف الناتو هي 2027 و2028، ما يعني أن أوروبا أمام أقل من ثلاث سنوات للاستعداد.
2. التجزئة الصناعية: الصناعات الدفاعية الأوروبية تنتج حاليًا 3 أنواع مختلفة من المقاتلات: يوروفايتر تايفون (782 طائرة)، رافال الفرنسية (710 طائرات)، وغريبن السويدية (369 طائرة). إذا اتفقت الدول على تصنيع نوع واحد فقط، كان الإنتاج الإجمالي يصل إلى 1800 طائرة، مع توفير 10–20% من التكاليف، بينما ينتج برنامج إف-35 الأمريكي 3556 طائرة، ما يمنح الصناعة الأمريكية ميزة حجم كبيرة. برامج المقاتلات الأوروبية من الجيل السادس مثل FCAS الفرنسي-الألماني-الإسباني و"تمبست" البريطاني تواجه صعوبات بسبب صراعات النفوذ بين الشركات.
3. الاعتماد الأمريكي المتجذر: الولايات المتحدة توفر كل ما يشكل "الممكن الحاسم" للعمليات العسكرية الأوروبية، من طائرات النقل الثقيلة والطائرات المسيّرة إلى أنظمة الاستخبارات والمراقبة والقيادة والسيطرة والدفاع الجوي. الاستقلال الأوروبي يتطلب استثمارات ضخمة وإنتاجاً محلياً غير مسبوق، وهو هدف صعب التحقيق.
التحديات المالية والسياسية
التحديات لا تقتصر على القدرات المادية، بل تشمل الاعتبارات المالية والسياسية. آلية التمويل الأوروبية "SAFE" تشترط أن يكون 65% من المحتوى ضمن منطقة اليورو، ما يفرض على الشركات رفع الإنتاج إلى مستويات غير مسبوقة.
كما يشير خبراء إلى أن زيادة الإنفاق الدفاعي قد تواجه تراجعًا في الدعم الشعبي إذا هدأت التوترات الأمنية، خاصة بعيدًا عن حدود روسيا، مما قد يضعف الزخم السياسي للخطط الدفاعية.
بصيص أمل
رغم كل الصعوبات، يرى بعض الخبراء مؤشرات إيجابية، إذ تعترف المجتمعات الأوروبية بالحاجة لزيادة الإنفاق الدفاعي، حتى لو لم تتحمل الحكومات المخاطرة الكافية لإجرائه بصراحة مع شعوبها.
كما أشار محللون إلى أن البرامج طموحة، والأموال متاحة، لكن تحقيق الأهداف الواقعية يستغرق سنوات، وهي المدة التي قد لا تمتلكها أوروبا إذا تصاعدت التهديدات.
المشكلة الأساسية في أوروبا ليست معرفة ما يجب القيام به، بل القدرة على تنفيذه بسرعة وفعالية. الفجوات الدفاعية هائلة، والوقت محدود، والاعتماد على الخارج كبير، والتجزئة الصناعية مكلفة. الساعة تدق بلا رحمة، وخبراء الدفاع يحذرون من أن عامي 2027 و2028 سيكونان اختبار الحقيقة لمدى جدية أوروبا في الدفاع عن نفسها.
الأوراق على الطاولة توحي بأن أوروبا قد تكون قادرة على سد الفجوات، لكن السؤال الحقيقي اليوم هو: هل ستفعل ذلك بالسرعة الكافية قبل أن تتحول التهديدات إلى أزمة حقيقية؟



