الدكتور علي جمعة يتحدث عن سنة التكامل.. ماذا قال؟
سُنّة التكامل في الإسلام من المفاهيم العميقة التي تعكس روح الشريعة وغاياتها الكبرى، وهي ليست مصطلحًا فقهيًا اصطلاحيًا محددًا بقدر ما هي قانون رباني يظهر في النصوص الشرعية وفي طبيعة الخلق والتشريع، ويقوم على أن العناصر والأدوار والأحكام والمقاصد في الإسلام تتكامل ولا تتعارض، وتتساند ولا تتصادم.
ما معنى "سُنّة التكامل"؟
فسُنّة التكامل تعني أن الإسلام عقيدة وشريعة وأخلاقًا ونظمًا يقوم على مبدأ التناسق بين أجزائه، بحيث يكمل بعضها بعضًا، ويؤدي كل جزء وظيفته دون أن يلغي الآخر أو يصطدم به.
فلا تضاد بين الروح والمادة، ولا بين العبادة والعمل، ولا بين الدين والدنيا، ولا بين الحقوق والواجبات، بل كلها تعمل بتناغم لتحقيق مقصد واحد: عمران الأرض وإقامة الإنسان الصالح النافع.
وفي ذلك الصدد تحدث الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية السابق والشيخ العام للطريقة الصديقية الشاذلية، عن سنة التكامل قائلا:" نتكلم عن سنة إلهية مهمة، وهي: "سنة التكامل".. والتكامل يعني أمورًا:
الأول: أن المخلوقات بها نقصٌ جبلي، فيحتاج كل مخلوق إلى باقي المخلوقات في منظومته ليحقق الوظائف التي بها معاشه وسعادته.
الثاني: أن الله تعالى تنزَّه عن الاحتياج إلى زوجٍ يُكمله، وتفرّد بالقيومية، وجعل خلقه أزواجًا في ظاهر الأمر يحتاج بعضهم إلى بعض، وفي الباطن هم في فقر دائم وحاجة مستمرة إليه سبحانه، قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يس: 36].
الثالث: أن أساس العلاقة بين الإنسان وأخيه الإنسان هو التعاون لا العداء، بل إن أساس العلاقة بين الإنسان والكون هو التفاعل والصلاح والتكامل، مما يؤكد ما استقر في عقل المسلم من أن الصراع طارئ، وأن الأساس هو التكامل.
على المسلم مسؤلية إعادة الاستقرار والسلم بالأرض
الرابع: أنه ما دام الأمر كذلك فعلى المسلم مسئولية كبيرة في هذه الأرض، وهي إعادة الاستقرار والسِّلم إليها، وإنهاء حالة الصراع والنزاع؛ فتلك المفاهيم المترتبة على سنة التكامل لو اطّلع عليها من يهاجم الإسلام بغير علم لاعتذر للأمة عن تاريخها وتراثها، ولأهتدى بها في سيره لإصلاح العالم بأسره.
الخامس: أن يتواضع الإنسان لخالقه سبحانه؛ إذ يدرك نقصه واحتياجه إلى كل ما حوله؛ فهو في حاجة دائمة للهواء للتنفس، وللماء للشرب، وللطعام للأكل، وللنوم، وللسكون، وللدواء، وللزوجة، وللأهل، وللأصدقاء، والله وحده هو الذي يغني الإنسان بتوفير كل ذلك، فيتواضع لعظمة الله، ويتيقن من فقره، ويعلم أنه غير قادر على الاستقلال بعيدًا عن فضل الله.
الكثير من الفوائد والمعاني العظيمة تخبرنا بها هذه السنة الإلهية المهمة، مما يجعلها منهجًا متكاملاً للتربية والصلاح وعمارة الأرض وإفشاء السلام.
الله خلق الأكوان مختلفةً بظاهرها متحدة بالهدف والغاية
إن الله تعالى خلق الأكوان مختلفةً في ظاهرها، لكنها متحدة في الهدف والغاية؛ فهذا الخلاف والاختلاف إنما هو للتنوع لا للتضاد؛ فالليل والنهار يشكلان يومًا واحدًا، لكل منهما خصائصه، والذكر والأنثى لكل منهما خصائص ووظائف، والحاكم والمحكوم لكل منهما وظيفة، والغني والفقير كذلك.
وأغلب الثنائيات الخَلقية أو القدرية—فالخَلقية كالليل والنهار، والذكر والأنثى، والقدرية كالحاكم والمحكوم والغني والفقير—سمّيناها قدرية لنفرّقها عن الخلقية، وإن كان فيها سعيٌ للإنسان واختيار وكسب، إلا أنها من فضل الله وقدره أيضًا.



