80 ألف نازح إسرائيلي.. تحوّل خطير في معادلة الردع مع حزب الله
حلل الدكتور عبد المنعم سعيد، الكاتب والمفكر السياسي، أبعاد التصعيد العسكري الأخير على الحدود اللبنانية الإسرائيلية، موضحًا أن الضربات المكثفة التي تشنها إسرائيل على لبنان تأتي في سياق سياسي وأمني متشابك، يستغل المناخ الذي خلفه هجوم 7 أكتوبر لتصفية حسابات إقليمية مع قوى تعتبرها إسرائيل معادية.
استغلال مناخ 7 أكتوبر وتوسيع المواجهة
وأشار "سعيد"، خلال تصريحات تلفزيونية، إلى أن اليمين الإسرائيلي، بشقيه الديني والسياسي، استغل أحداث 7 أكتوبر لبناء حالة تعبئة عامة تدعم فكرة "تصفية الأعداء الإقليميين"، مستفيدًا من التعاطف الدولي والدعم الغربي غير المسبوق، خاصة من الولايات المتحدة وألمانيا التي أرسلت دعمًا عسكريًا لإسرائيل.
وأوضح أن هذا الغطاء الدولي منح إسرائيل الضوء الأخضر لتوسيع نطاق المواجهة تحت شعار "مكافحة الميليشيات المدعومة من إيران"، في إشارة إلى حزب الله الذي تعتبره تل أبيب جزءًا من منظومة "الدفاع المتقدم الإيراني" الممتدة من العراق إلى اليمن وغزة.
الضغط على الدولة اللبنانية وتحدي الميليشيات
وأكد سعيد أن أحد أهداف التصعيد الحالي هو إجبار الحكومة اللبنانية على السيطرة على المجموعات المسلحة داخل أراضيها، قائلاً: "الضربات الإسرائيلية تشكل رسالة ضغط للحكومة اللبنانية من أجل فرض سيادتها على جميع القوى المسلحة، خصوصًا تلك التي شاركت في إطلاق الصواريخ على شمال إسرائيل أثناء حرب غزة".
وأشار إلى وجود اتفاق سابق يقضي بانسحاب حزب الله شمال نهر الليطاني وتسليم سلاحه للجيش اللبناني، لكن رفض الحزب لهذا الاتفاق جعل من وجوده مبررًا مستمرًا لتصعيد تل أبيب.
النزوح الإسرائيلي واستراتيجية الردع الجديدة
وكشف المفكر السياسي أن أزمة النزوح الأخيرة من شمال إسرائيل تُعد تطورًا غير مسبوق في الصراع، إذ اضطر أكثر من 80 ألف إسرائيلي لمغادرة مناطقهم نتيجة لصواريخ حزب الله، وهو ما اعتبرته إسرائيل "كسراً لهيبة الردع" يستوجب ردًا قويًا.
وأضاف أن تل أبيب تسعى عبر ضرباتها المكثفة إلى ترميم صورتها الردعية، ورسالة مفادها أنها لن تتسامح مع أي تهديد يأتي من أراضي لبنان.
أزمة الدولة الوطنية واحتكار السلاح
وأوضح سعيد أن المعضلة الأساسية لا تتعلق فقط بلبنان، بل بنموذج الدولة الوطنية في المنطقة، إذ يفترض بالدولة أن تكون صاحبة السلطة الوحيدة على السلاح والقرار العسكري.
وتابع: "حين توجد تنظيمات مسلحة تتخذ قرارات الحرب والسلام بعيدًا عن مؤسسات الدولة، تنهار فكرة الدولة الوطنية نفسها، وهو ما تستغله إسرائيل لتبرير ضرباتها بدعوى الدفاع الوقائي".
السودان.. هشاشة الدولة وتعدد الميليشيات
وفي سياق متصل، تناول الدكتور عبد المنعم سعيد الأزمة السودانية، مشيرًا إلى أنها ليست وليدة اللحظة بل نتيجة تراكم تاريخي من الهشاشة السياسية وغياب المشروع الوطني الموحد ووجود جيوش موازية. وبيّن أن الدول العربية تنقسم اليوم إلى فئتين: دول مستقرة تمتلك جيشًا موحدًا ورؤية وطنية واضحة مثل رؤى 2030، ودول منهارة بعد الربيع العربي تعاني من تعدد الميليشيات وفقدان السلطة المركزية.
وأرجع جذور الأزمة السودانية إلى سلسلة من الحروب الأهلية والانقلابات منذ استقلال البلاد عام 1956، مرورًا بصراعات دارفور وانفصال الجنوب، وصولًا إلى الانقسام الذي أحدثه نظام البشير القائم على الأيديولوجيا الدينية.
وأكد أن إدخال الدين في السياسة يقود حتمًا إلى تفكك الوحدة الوطنية، مشبهًا ما يحدث في السودان بما جرى في فلسطين بعد انقسام غزة والضفة.
طريق الحل.. الدولة الواحدة والجيش الموحد
واختتم سعيد تحليله بالتأكيد على أن الخلاص من النزاعات في السودان وسائر المنطقة لن يتحقق إلا من خلال استعادة فكرة الدولة الوطنية الحديثة، وإعادة بناء مؤسساتها على أساس الوحدة والاحتكام لسلطة مركزية واحدة تحتكر استخدام السلاح وتجمع جميع الفصائل تحت لواء الجيش الوطني، إلى جانب صياغة مشروع وطني جامع يعيد الثقة بين المواطن والدولة.


