الحلقة 58.. شهادات وذكريات يرويها مصطفى بكري لـ«الجمهور».. مبارك يرفض مغادرة أسرته للندن
كانت رؤية كلينتون في سعيها إلى انتقال السلطة بشكل تدريجي في مصر تهدف إلى استمرار مخطط عزل إيران، ومكافحة الإرهاب في المنطقة، وإفشال مخططات تنظيم القاعدة، والحفاظ على معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية، وتهيئة الأجواء أمام جماعة الإخوان لإحداث انتقال سلمي والسيطرة على الحكم، ولذلك كانت قلقة من المجهول.
وعندما سئلت كلينتون ومنذ اليوم الأول لاندلاع مظاهرات يناير عن رأيها قالت: "إننا نؤيد الحريات الأساسية في التعبير عن الرأي للجميع، ونطالب كافة الأطراف بأن تتحلى بضبط النفس وتمتنع عن اللجوء للعنف، لكن تقديرنا أن الحكومة المصرية مستقرة وتبحث عن طرق للاستجابة للمطالب المشروعة ومصالح الشعب المصري".
كانت تلك هى وجهة نظر كلينتون منذ البداية، إلا أنها عادت وقالت فيما بعد "أنه ثبت لنا أن الأوضاع لم تكن مستقرة بما فيه الكفاية".
وفي مذكراتها التي نشرتها فيما بعد، كشفت كلينتون عن وقائع الخلاف الذي جرى بين أوباما وقيادات أمريكية نافذة خلال الاجتماع الذي دعا إليه الرئيس الأمريكى يوم 28يناير2011.
تقول كيلنتون في مذكراتها "كانت جماعة الاخوان قد وضعت نفسها فى المكان الصحيح لسد الفجوة التي قد تنتج عن سقوط النظام، كان مبارك قد حاول دفن الاخوان تحت الأرض، لكنهم ظلوا يملكون أتباعًا فى طول مصر وعرضها، إضافة إلى بناء تنظيمي محكم، وقالت الجماعة إنها نبذت العنف، وبذلت بعض الجهد حتى تظهر في صورة أكثر إعتدالًا، لكن كان من المستحيل التنبؤ بالطريقة التي يمكن أن تتصرف بها الجماعة إذا وصلت للحكم".
وقالت كلينتون: "لقد قلت للرئيس أوباما إنه لو سقط مبارك، فاعتقد أن كل شيء يمكن أن يسير على ما يرام بعد 25 عامًا، لكنني اعتقد أن الفترة من اليوم حتى نهاية هذه الأعوام ستكون شديدة الاضطراب بالنسبة للشعب المصرى وللمنطقة ولنا".
كانت كلينتون قد عبرت عن وجهة نظرها تلك فى هذه الفترة من خلال البرنامج التليفزيونى الأمريكى الأشهر "واجه الصحافة"، وعندما سألت عن رأيها قالت: "إننا نأمل برؤية انتقال سلمى ومنظم لنظام ديمقراطي"، وتعمدت وصف الانتقال بـ"المنظم" وليس "الفوري" للسلطة وذلك على الرغم من أن كبار رجال البيت الأبيض طلبوا منها التلميح بضرورة رحيل نظام مبارك".
وفى هذه الفترة كثفت هيلارى كلينتون نت اتصالاتها بوزير الخارجية المصري أحمد ابوالغيط الذى كان وثيق الصلة بالنائب عمر سليمان، حيث أجرى اتصالًا معه فى الرابع من فبراير بهدف دفع النظام إلى الاقدام على المزيد من الاصلاحات، إلا أن أحمد أبوالغيط –وفقًا لروايتها –قال لها: "إن الولايات المتحدة تسعى إلى إزاحة الرئيس مبارك من الطريق بلا هوادة دون النظر للعواقب"، وقال لها: "انظروا إلى ما يقوله الإيرانيون الآن".
كانت كلينتون تعرف أحمد أبو الغيط جيدًا، وكانت تنصت إلى كلماته بدقة، لقد قالت: "إنمخاوف أبوالغيط من استيلاء الاسلاميين على السلطة كانت واضحة للغاية"، عندما قال لها: "عندى حفيدتان، واحدة عمرها ست سنوات والأخرى فى الثانية من عمرها، أريد لكل واحدة منهما أن تكبر لتصبح مثل جدتها، ولتصبح مثلك، لا أن ترتدى النقاب، تلك هى معركة حياتى".
كانت واشنطن في حالة ارتباك شديد، لم تكن هناك رؤية واضحة، مما يؤكد أن سير الأحداث قد فاجأ الإدارة الأمريكية فى هذا الوقت، لقد أدلى السكرتير الصحفى للبيت الأبيض يوم 26 يناير 2011، بتصريح يحدد فيه موقف البيت الأبيض من تظاهرات 25يناير بالقول "إن بلاده تساند مبارك لكون بلاده حليفًا قويًا".
وقد ظل هذا الموقف يتراوح فى الضغط على طرفى الأزمة حتى اجتماع مجلس الأمن الأمريكى فى 30يناير2011، الذى تحدث فيه كبار المسئولين الأمريكيين مطالبين بصياغة استراتيجية توفر دعمًا أمريكيًا للإصلاح الديمقراطى، مع التأكيد على الحاجة غلى الاستقرار فى البلاد بما يؤدى غلى انتخاب قيادة جديدة عبر انتخابات حرة ونزيهة.
وقد ترجمت هذه الاستراتيجية خطواتها فيما عبرت عنه هيلارى كلينتون فى مؤتمر "ميونخ" للأمن والسلام فى هذا الوقت، حيث تحدثت عن انتقال آمن ومنظم للسلطة من مبارك لنائبه عمر سليمان، وبعدها تنقاض حكومة انتقالية يراسها سليمان مع رموز لمعارضة لإصلاح الدستور وبدء التغييرات الديمقراطية.
غير أن موقعة الجمل في 2فبراير واستغلالها على هذا النحو من الحلف الرافض لتوجهات كلينتون حسم الأمر، حيث عبر أوباما عن هذا الموقف بالحديث عن الانتقال الفورى للسلطة والقول "إن الانتقال المنظم يجب ان يكون ذا هدف وسلميًا ويبدأ الآن".
كانت واشنطن على اتصال مستمر بالنائب عمر سليمان وكانت مطالب وتساؤلات الادارة الأمريكية لا تتوقف، وكان سليمان يؤكد لفى كل اتصالاته معهم أن مصر ستتعرض لمخاطر شديدة حال حدوث انتقال فورى للسلطة دون اعداد لذلك، غير ان اوباما كان يردد دومًا "إنه كلما تمسك مبارك بالسلطة سيكون من الصعب رحيله فى اللحظة المناسبة".
تحريض عمر سليمان
حاولت الإدارة الأمريكية تحريض عمر سليمان واتخاذ خطوات من شأنها عزل مبارك فى هذا الوقت، إلا أن سليمان كان يرفض المطالب الأمريكية ويحذر من خطورة السلوك الأمريكى المتصاعد والذى سيؤدى فى نهاية الأمر إلى وصول الاخوان للسلطة.
كان عمر سليمان يدرك أبعاد المؤامرة والخديعة الأمريكية، وكان يعرف تمامًا حقائق الاتفاق الذى جرى بين الادارة الامريكية وجماعة الاخوان، ولذلك قدم عمر سليمان فى هذا الوقت تقريرًا كاملًا إلى الرئيس مبارك يشرح فيه ابعاد مخطط الجماعة ورؤية واشنطن للأوضاع فى مصر فى مرحلة ما بعد مبارك.
كان تقرير عمر سليمان يشير إلى اتفاق الدوحة عام 2002 الذى وقع بين جماعة الاخوان والادارة الامريكية، والذى تضمن التزام جماعة الاخوان باحترام اتفاقية كامب ديفيد واتفاقية السلام المصرية الاسرائيلية حال وصول الجماعة إلى السلطة فى مصر.
وقد وقع هذا الاتفاق حينها عن الاخوان كل من "يوسف القرضاوى وطارق رمضان" و وقعه عن الادارة الامريكية "مارتن إنديك ومارك مولين".
ظل الصراع داخل الادارة الامريكية محتدمًا، مما دفع بنائب الرئيس الأمريكى "بايدن" إلى الاتصال بالنائب عمر سليمان يوم الثالث من فبراير2011 ليطلب منه الاستعداد لتولى مهام السلطة الانتقالية، ذلك انه لم يعد امام الرئيس مبارك سوى الرضوخ للأمر الواقع والبدء فى اجراءات انتقال السلطة.
وفى هذا اليوم تحديدًا أصدر قادة بريطانيا وفرنسا وايطاليا والمانيا واسبانيا بيانًا مشتركًا عبروا فيه عن قلقهم البالغ من جراء التطورات الخطيرة التى تشهدها مصر، ومن بينها استخدام العنف ضد المتظاهرين أو التشجيع عليه.
كانت واشنطن تبذل جهودًا حثيثة بهدف دفع العديد من بلدان المنطقة وخارجها إلى اتخاذ مواقف قوية ضد النظام الحاكم فى مصر، كان اوباما مصرًا على اسقاط الرئيس مبارك ودفع البلاد نحو الفوضى مهما كان الثمن فى المقابل.
وفى السابع من فبراير أدلى الرئيس باراك أوباما بحديث إلى قناة "فوكس نيوز" أكد فيه: "أن مصر لا يمكن ان تعود الى ما كانت عليه قبل بدء الاحتجاجات ضد نظام الرئيس المصرى حسنى مبارك"، وقال: "إن وقت التغيير قد حان، وإن الشعب المصرى يريد انتخابات حرة نزيهة وحكومة تلبى مطالبه".
كان هذا التصريح حادًا وقويًا، ويبدو ان الرئيس المصرى قد فهم الرسالة جيدًا، ولذلك بدأ يعيد التفكير مجددًا فى نقل اختصاصاته للنائب عمر سليمان، إلا أن من حوله ظلوا يعرقلون هذا الاجراء كما فعلوا ذلك من قبل.
فى هذا الوقت انتشرت شائعة تقول ان جمال و والدته وبعض افراد اسرة الرئيس قد غادروا الى لندن، إلا ان وزير الخارجية البريطانى نفى ذلك فيما بعد، كما ان هناك شائعات انطلقت لتقول ان الرئيس مبارك نفسه قرر يسافر للعلاج فى المانيا حتى يتولى النائب عمر سليمان مهام السلطة فى البلاد، وان الرئيس قد لا يعود مرة اخرى، ويومها نفت الحكومة الألمانية وجود أى طلب رسمى أو غير رسمى يشير إلى حضور الرئيس مبارك للعلاج فى ألمانيا.
فى اليوم التالى لحديث الرئيس أوباما لـ"فوكس نيوز" كان عمر سليمان يدعو رؤساء التحرير إلى اجتماع خاص بالقصر الجمهورى، حضرنا فى الحادية عشرة صباحًا، بدأ الحوار ساخنًا، حذر السيد عمر سليمان من أن الاوضاع قد تفضى الى انقلاب عسكرى حال استمرار الحال على ما هو عليه، يومها سألت النائب عمر سليمان فى حضور رؤساء التحرير وقلت له: "لماذا لا يغادر الرئيس مبارك إلى المانيا ويترك المصريين يقررون شئونهم بانفسهم؟"، فرد على بالقول: "أنت رجل صعيدى، وأنا رجل صعيدى، وتعرف انه من العيب ان اطلب من الرئيس مبارك هذا المطلب من الناحية الاخلاقية".
لقد حكى لى عمر سليمان بعدها كيف رفض الرئيس مبارك نصيحة قدمها له بعد أحداث موقعة الجمل وتدهور الاوضاع فى البلاد بأن سيمح لزوجته وزوجتى نجليه جمال وعلاء والحفيدين ومعهم نجله علاء بأن يغادروا الى خارج البلاد خوفًا من التطورات الخطيرة التى تشهدها البلاد، يومها قال له مبارك: "لن أغادر أنا أو أى من أفراد أسرتى مصر أبدًا، ليس لدينا شيئ نهرب منه، ولسنا نحن الذين نهرب من المواجهة مهما كان الثمن فى المقابل".
ظلت واشنطن تمارس ضغوطها حتى النهاية، حاولت فتح خطوط خلفية مع النائب عمر سليمان لدفعه إلى حسم الأمر، خاصة انها كانت تعلم ان المشير طنطاوى يرفض أى دور بديل، أو تصدر المشهد بأى صورة كانت، إلا انها فوجئت بان عمر سليمان يرفض كل الإغراءات ويصر على ان صاحب القرار الوحيد فى هذا الشأن هو الرئيس حسنى مبارك وليس أحدًا غيره.
لقد حكى عمر سليمان بنفسه فى حديث تليفزيونى عن طبيعة الحوارات التى اجرتها معه وزيرة الخارجية الامريكية هيلارى كلينتون لاقناعة بالقبول بانتقال السلطة فى البلاد، فقال: "كانت هناك مكالمة هاتفية مع وزيرة الخارجية الامريكية هيلارى كلينتون، ولكنها لم تطلب أن يتنحى الرئيس مبارك الان، ولكنى اخبرتها ان هناك عملية تجرى وفى نهايتها سيغادر الرئيس، وان جزء صغيرًا من الشعب المصرى يرغبون فى رحيل الرئيس مبارك على الفور، وهذا عدد قليل ومحدود، وهو أمر يتناقض مع ثقافتنا، ونحن نحترم رئيسنا ونحترم أبانا ونحترم الشخص الذى يعمل لصالح بلده كما فعل مبارك".
كان عمر سليمان يبدى مخاوفه من انتشار الفوضى فى البلاد وسيطرة الإخوان على الحكم حال سقوط نظام مبارك ورحيله عن الحكم فجأة، ولذلك تكلم فى هذا الأمر بصراحة فى حديثه مع "كريستيان أمانبور" المذيعة الشهيرة بقناة (سى.بى.إس) عندما قال لها: "لا نريد اضطرابات فى بلدنا، عندما يقول الرئيس أنه سيغادر فمعناه انه سيغادر، ولكن اعتقد أنه في ظل هذه الأجواء سيقون أخرون ممن لهم اجنداتهم الخاصة بشكل من عدم الاستقرار فى البلاد".
وفى هذا الحديث كان عمر سليمان واضحًا عندما قال: انه لن يرشح نفسه للانتخابات الرئاسية القادمة، حيث قال حرفيًا ردًا على سؤال: هل ستترشح للرئاسة حال تغيير الظروف؟ "أنا اصبحت كبيرًا فى السن، وفعلت الكثير لهذا البلد، وليس عندى اى طموح لتولى الرئاسة، فعندما طلبنى الرئيس لتولى منصب النائب وافقت لمساعدة الرئيس فى هذا الوقت الحرج".
ظلت واشنطن على موقفها حتى اللحظة الأخيرة، وكانت تدفع باستمرار التظاهرات للضغط على النظام حتى يقبل بأجندتها ويرحل عن الحكم.
لم تكن الإدارة الأمريكية ترغب في تولي "الجيش" مهام السلطة في البلاد، لكن مبارك في المقابل كانت لديه قناعة بأن تولى المجلس الأعلى للقوات المسلحة إدارة شئون البلاد هو وحده الذى سيحمى الدولة من الانهيار الذي اعدت له واشنطن واستخدمت كافة الوسائل وعناصر الإثارة من أجل تحقيقه.



