محمود محيي الدين: تغيّر موازين القوى الاقتصادية عالميًا
أكد الدكتور محمود محيي الدين، وزير الاستثمار الأسبق ومبعوث الأمم المتحدة الخاص، خلال مشاركته في صالون ماسبيرو الثقافي الذي أقيم باستوديو أحمد زويل، أن العالم يشهد تغيّرات جوهرية في موازين القوى الاقتصادية الكبرى.
وأوضح أن بريطانيا خرجت من قائمة الخمس الكبار في الاقتصاد العالمي لأول مرة منذ عقود، بينما تمكنت الهند من القفز إلى المرتبة الثالثة بعد الولايات المتحدة والصين، لتسجّل بذلك نقلة غير مسبوقة في موقعها الدولي.

وأشار محيي الدين إلى أن الصين تتفوق على الولايات المتحدة في 60 مؤشرًا من أصل 66 بحسب تقارير نشرتها صحيفة نيويورك تايمز، وهو ما يعكس سرعة تحول موازين القوة في النظام الاقتصادي العالمي.
صعود الصين المرتقب

أضاف محيي الدين أن هذه المؤشرات لا تعني فقط تفوقًا مرحليًا، بل تحمل توقعات مؤكدة بأن الصين ستتجاوز الولايات المتحدة لتصبح الاقتصاد الأول عالميًا خلال أقل من عشر سنوات.
وشدد على أن الولايات المتحدة، رغم تفوقها في بعض المجالات الحيوية، تسعى إلى بناء تحالفات اقتصادية وتجارية دولية لمواجهة التحدي الصيني، ما يعكس إدراكها المبكر لخطورة هذه التحولات.
وأكد أن العالم يدخل مرحلة جديدة من التنافس بين الأقطاب الاقتصادية لا تقوم على السلاح والقوة العسكرية بقدر ما تعتمد على التكنولوجيا والابتكار والمعرفة والقدرة على بناء شراكات متينة.
اقتصاد الأفكار والإنسان
وتناول محيي الدين خلال النقاش تحول مفهوم الاقتصاد الكلاسيكي الذي كان قائمًا على الأرض والموارد والسكان والإدارة، إلى اقتصاد حديث يعتمد على الإنسان أولًا والأفكار ثانيًا.
وأوضح أن هذا التحول يفتح المجال أمام الدول النامية، وفي مقدمتها مصر، لإطلاق طاقاتها الكامنة، عبر الاستثمار في رأس المال البشري، والتعليم، والبحث العلمي، والابتكار.
كما لفت إلى أن الاقتصاد الحديث يعطي ميزة تنافسية للدول التي تستطيع الاستثمار في العقول، وليس فقط في البنية التحتية والموارد الطبيعية، وهو ما يجب أن يكون أساس أي استراتيجية وطنية للتنمية المستدامة.
فرص مصر المستقبلية
أكد مبعوث الأمم المتحدة أن مصر تمتلك فرصة تاريخية لبناء اقتصاد قائم على المعرفة إذا ما أحسنت استغلال موقعها الجغرافي وطاقاتها البشرية الشابة.
وأشار إلى أن العالم لم يعد يقيس القوة الاقتصادية بحجم الأرض أو عدد السكان فقط، بل بمدى قدرة الدولة على توليد المعرفة وتحويل الأفكار إلى منتجات وخدمات ذات قيمة مضافة عالية.
وطالب بضرورة وضع خطط قومية طويلة الأمد تستند إلى التعليم الحديث، والرقمنة، ودعم الابتكار، وريادة الأعمال، بما ينسجم مع أهداف التنمية المستدامة ورؤية مصر المستقبلية.
التجربة الآسيوية الملهمة
وعلى المستوى الإقليمي، دعا محيي الدين الدول العربية إلى الاستفادة من تجربة الآسيان التي قامت على قاعدة واضحة: العمل في ما هو محل اتفاق، وتجنب الصراعات السياسية والخلافات، والتركيز على التعاون الاقتصادي والتجاري.
وقال إن هذه التجربة أثبتت قدرتها على خلق تكتل اقتصادي ناجح، رغم التباين الثقافي والسياسي بين دوله، وهو ما يمكن أن يشكّل نموذجًا ملهمًا للمنطقة العربية.
وشدد على أهمية أن تضع الدول العربية الاقتصاد في مقدمة أولوياتها، بعيدًا عن التجاذبات السياسية، إذا أرادت اللحاق بركب التحولات العالمية وصعود الاقتصادات الناشئة.
أهمية الحوار الثقافي
شهد صالون ماسبيرو الثقافي نقاشًا ثريًا بين نخبة من المفكرين والكتاب والمثقفين، حيث أدار اللقاء الخبير الاقتصادي عبد الفتاح الجبالي رئيس مدينة الإنتاج الإعلامي.
وحضر اللقاء عدد من الشخصيات العامة، من بينهم الكاتب أحمد المسلماني رئيس الهيئة الوطنية للإعلام، الذين أثروا الحوار بمداخلاتهم حول مستقبل الاقتصاد المصري والعربي.
وأكد الحضور أن مثل هذه اللقاءات تمثل منصة مهمة لطرح رؤى استراتيجية لمستقبل المنطقة، خاصة في ظل التحولات المتسارعة عالميًا، والتي تفرض على الدول إعادة النظر في سياساتها الاقتصادية.