رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري
الجمهور الإخباري
رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري

يسري جبر: الطريق للتوازن النفسي يبدأ من الانشغال بعيوب النفس لا بعيوب الناس

يسري جبر
يسري جبر

في خضم انشغال الكثيرين اليوم بمراقبة أخطاء الآخرين وتسليط الضوء على عيوبهم، يطرح سؤال جوهري نفسه: ماذا يفعل الإنسان إذا وجد نفسه مشغولًا بعيوب الناس؟، هذا السؤال أجاب عنه الدكتور يسري جبر، أحد علماء الأزهر الشريف، خلال ظهوره في برنامج "اعرف نبيك" المذاع على قناة الناس، مؤكدًا أن الطريق الصحيح يبدأ من الداخل لا من الخارج، وأن انشغال المسلم بعيوب نفسه هو أولى وأهم من محاسبة الآخرين.

أصل التعامل بالرحمة

أكد العالم الأزهري أن الأصل في علاقة الإنسان بغيره يجب أن يقوم على الرحمة والتناصح، لا على اللوم والتتبع والتجريح. فكل إنسان – كما أوضح – محصور في قدره، بما كتبه الله له من إمكانيات وذكاء وفهم وطباع، وبالتالي فإن البشر معذورون فيما قُدّر لهم من صفات.

هذا المعنى، كما يشير الدكتور جبر، يرسّخ مفهوم التسامح بين الناس، إذ يجعلنا ندرك أن الاختلاف في الطبع والفكر والقدرات هو أمر طبيعي، وأن المعيار الأهم في التعامل ليس رصد العيوب بل تقديم النصح برفق والرحمة.

كراهية الفعل لا الفاعل

وشدد الدكتور يسري جبر على ضرورة التفريق بين كراهية الفعل السيئ وكراهية الأشخاص. فالواجب على المسلم – كما قال – أن يكره الأعمال الخاطئة دون أن يحمل في قلبه بغضًا لأصحابها، وأن يلتمس الأعذار لهم ما استطاع.

وهنا يأتي المبدأ التربوي النبوي في إصلاح النفوس: إرشاد بالرفق، دعاء بالهداية، وحرص على ستر العيوب لا فضحها. هذا النهج الإيماني لا يقتصر على العلاقة بين المسلم وأخيه المسلم، بل يمتد ليشمل التعامل مع جميع البشر.

الانشغال بعيوب النفس

من أهم ما أكد عليه الدكتور يسري جبر أن الانشغال بعيوب النفس هو أولى من مراقبة عيوب الآخرين. فالإنسان الذي يوجه نظره باستمرار إلى سلبيات غيره، يغفل عن إصلاح نفسه، ويعيش في دائرة من النقد والهجوم لا تثمر إلا مرارة وضيقًا.

ويضيف جبر أن العيوب التي يراها الإنسان في غيره ما هي إلا انعكاس لعيوبه هو، فالعين – كما يقول – "لا ترى إلا ما تعرفه". فالمؤمن الواعي إذا رأى خطأ عند غيره، اتخذه فرصة لمراجعة نفسه والتأمل في مدى إصلاحه لذاته قبل أن ينشغل بالآخرين.

قدوة النبي العظيم

استشهد العالم الأزهري بما ورد عن النبي ﷺ في أسلوبه التربوي الراقي، فقد كان قدوة في التعامل مع أخطاء الناس. لم يكن يوبخ أو يفضح أو يجرح، وإنما كان يعالج الخطأ بالرحمة واللين. أحيانًا كان يكفي مجرد تغير ملامح وجهه الشريف ليُشعر الصحابة بخطئهم، دون أن ينطق بكلمة جارحة.

هذا النموذج العملي – كما يرى الدكتور جبر – هو ما يجب أن يقتدي به المسلمون، فيجعلون النصح سرًا، والتوجيه برفق، والتربية بالقدوة العملية، لا باللوم القاسي أو النقد العنيف.

العذر قبل الحكم

وأوضح الدكتور يسري جبر أن الإنسان الكامل لا يرى للناس عيوبًا، وإنما يرى لهم أعذارًا ويدعو لهم بالهداية. فالأصل في المسلم أن يُحسن الظن، ويبحث عن المبررات التي قد تفسر خطأ الآخرين قبل أن يصدر حكمًا قاسيًا.

بهذا التصور الإيماني، تتحول العلاقات الإنسانية من دوائر صراع واتهام إلى جسور رحمة وتعاون. فكلما سعى المرء لستر عيوب غيره، كلما أعانه الله على ستر عيوب نفسه، وأحاطه بلطفه ورعايته.

مكارم الأخلاق النبوية

ختم الدكتور يسري جبر حديثه بالتأكيد على أن الطريق لنيل مكارم الأخلاق النبوية يبدأ من الداخل. فعلى المسلم أن تكون نفسه لوامة على ذاته، يراجعها ويحاسبها، ولسانه ناصحًا للآخرين برفق، وقلبه رحيمًا يتسع للناس.

فإذا التزم المسلم بهذا النهج، صار أقرب لروح الإسلام التي تقوم على الرحمة، وصار أكثر اتزانًا نفسيًا وأخلاقيًا. فالانشغال بعيوب النفس لا يحمي الإنسان من الوقوع في الكبر فقط، بل يجعله أيضًا أكثر صفاءً وسلامًا مع ذاته ومع الآخرين.

 

واختتم قائلا: إن انشغال الإنسان بعيوب الناس هو باب واسع للاضطراب النفسي والاجتماعي، بينما الانشغال بعيوب النفس هو طريق الإصلاح الحقيقي. وكما قال الدكتور يسري جبر، فإن المؤمن الحق هو من يكره السيئات لا أصحابها، يلتمس الأعذار للآخرين، ويجعل من نفسه مرآة صافية تعكس الأخلاق النبوية الرحيمة.

  

تم نسخ الرابط