رغم إعتذار بوتين.. أزمة الطائرة الأذرية تشعل خلافاً جديداً مع موسكو
رغم مرور أشهر على "الحادث المأساوي" الذي أسفر عن سقوط طائرة ركاب أذرية بنيران روسية، تعود القضية إلى واجهة التوترات الإقليمية مجددًا، لكن هذه المرة بلهجة أكثر تصعيدًا من باكو. فالرئيس الأذربيجاني إلهام علييف، وفي موقف نادر من الحدة تجاه موسكو، يطالب باعتراف رسمي كامل بالمسؤولية، ومحاسبة المسؤولين، ودفع التعويضات، رغم اعتذار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين سابقًا عن الحادث دون إقرار صريح بالمسؤولية.
الاعتذار لا يكفي
في مؤتمر صحفي عُقد السبت في مدينة "خانكندي" — الواقعة في إقليم قره باغ الذي استعادت باكو السيطرة عليه — وجه الرئيس الأذربيجاني رسالة مباشرة إلى موسكو قال فيها: "نحن نعرف بالضبط ما حدث، ويمكننا إثباته. ونثق أن المسؤولين الروس يعرفون أيضاً."
وطالب علييف بأن تقر روسيا "رسمياً" بإسقاط الطائرة المدنية الأذرية عن طريق الخطأ، مشددًا على أن ذلك الاعتراف هو الحد الأدنى في علاقات تقوم على "حسن الجوار والمسؤولية".
خطأ مكلف في سماء متوترة
الطائرة، التابعة للخطوط الجوية الأذرية، كانت في رحلة بين باكو والعاصمة الشيشانية غروزني، لكنها تعرضت لإطلاق نار من الدفاعات الجوية الروسية خلال موجة من هجمات الطائرات المسيّرة الأوكرانية في ديسمبر/كانون الأول الماضي.
ووفق تقارير في حينه، تم تحويل مسار الرحلة نحو مدينة "أكتاو" في كازاخستان بسبب إغلاق المجال الجوي الجنوبي لروسيا، قبل أن تُصاب الطائرة وتتحطم، ما أسفر عن مقتل 38 شخصًا وإصابة 29 آخرين.
وفي حين اكتفى الكرملين بوصف ما حدث بـ"الخطأ المأساوي"، وقدم بوتين اعتذارًا شخصيًا لعلييف، فإن روسيا لم تعترف رسميًا بمسؤوليتها، وهو ما يرفضه الجانب الأذري الآن بشكل واضح.
مطالبات قانونية ومالية من باكو
وفي تصريحاته، لم يكتف علييف بالمطالبة بالاعتراف، بل طالب أيضًا بـ:
- محاسبة العسكريين الروس المسؤولين عن قرار إطلاق النار.
- تعويض مالي لعائلات الضحايا والمصابين.
- تسديد تكلفة الطائرة المدمرة، في إطار ما وصفه بـ"القواعد القياسية للقانون الدولي".
وقال: "هذه ليست مطالب سياسية، بل قانونية وإنسانية بحتة"، مشيرًا إلى أن أي تسويف روسي سيقوّض ثقة أذربيجان في علاقات الجوار والشراكة التي كانت قائمة بين البلدين.
الأزمة ليست فنية فقط
يرى مراقبون أن اختيار علييف لمدينة "خانكندي" كموقع للإعلان يحمل أبعادًا سياسية أعمق، خاصة أنها كانت لفترة طويلة مركزاً للنزاع بين أذربيجان وأرمينيا، وسبق أن شهدت مواجهات حادة برعاية روسية.
ويقرأ محللون هذا التصعيد في إطار رغبة باكو في تأكيد استقلالية قرارها السياسي، ورسالة إلى موسكو بأنها لن تتسامح مع "تجاوزات عسكرية حتى لو كانت عن طريق الخطأ".
هل تتجه العلاقة الأذرية الروسية إلى مرحلة جديدة؟
أزمة الطائرة الأذرية قد تتحول من ملف فني مغلق إلى شرارة أزمة سياسية ممتدة، إذا ما استمرت موسكو في تجاهل مطالب باكو بالاعتراف الرسمي والمحاسبة.
وبين اعتذار بوتين الصامت، وتصعيد علييف العلني، يتشكل مشهد جديد في العلاقات الثنائية قد يترك أثره على التوازنات في جنوب القوقاز، المنطقة التي تشهد منذ سنوات إعادة رسم للنفوذ الروسي والتركي، وتحولات استراتيجية ترتبط بأكثر من مجرد حادث عرضي في السماء.





