ترسيخ العمق الإفريقي لمصر.. سد "جوليوس نيريري" والتكامل بين القاهرة ودار السلام
في توقيت يحمل دلالات سياسية واستراتيجية مهمة، تتزامن زيارة الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى جمهورية تنزانيا مع تسليط الضوء على أحد أبرز المشروعات التنموية التي أنجزتها مصر في القارة الإفريقية، وهو مشروع سد ومحطة "جوليوس نيريري" الكهرومائية، الذي أصبح رمزًا للتعاون الإفريقي المشترك وتجسيدًا عمليًا للدور المصري في دعم جهود التنمية المستدامة داخل القارة.
ويعد المشروع أحد أكبر مشروعات البنية التحتية في شرق إفريقيا، ونموذجًا ناجحًا للشراكة بين الدول الإفريقية، حيث تولى تحالف شركتي المقاولون العرب والسويدي إليكتريك تنفيذ المشروع، في إنجاز هندسي ضخم يعكس الخبرات المصرية المتراكمة في مجالات السدود والطاقة والإنشاءات العملاقة.
ويقع السد على نهر روفيجي داخل محمية "سيلوس" الطبيعية في تنزانيا، ويحمل اسم الزعيم التنزاني الراحل جوليوس نيريري، أول رئيس للبلاد بعد الاستقلال. ويهدف المشروع إلى إحداث نقلة نوعية في قطاع الطاقة التنزاني، من خلال مضاعفة إنتاج الكهرباء وتوفير مصدر نظيف ومستدام للطاقة، بما يسهم في دعم التنمية الاقتصادية والصناعية وتحسين مستوى معيشة المواطنين.
وتصل القدرة الإنتاجية لمحطة الكهرباء إلى نحو 2115 ميجاوات، وهو ما يمثل إضافة تاريخية لمنظومة الطاقة في تنزانيا، حيث من المتوقع أن يضاعف إنتاج البلاد من الكهرباء عدة مرات، ويؤمن احتياجات القطاعات الصناعية والزراعية والخدمية، فضلًا عن توفير الطاقة للمناطق الريفية والنائية، بما ينعكس بصورة مباشرة على تحسين جودة الحياة لملايين المواطنين.
كما يضم المشروع سدًا خرسانيًا ضخمًا وبحيرة صناعية كبيرة لتخزين المياه، إلى جانب محطة لتوليد الكهرباء تعتمد على أحدث التقنيات العالمية، وشبكات لنقل الطاقة، بما يجعله أحد أكبر المشروعات الكهرومائية التي شهدتها القارة الإفريقية خلال العقود الأخيرة.
ولم يقتصر الدور المصري على تنفيذ الأعمال الإنشائية والهندسية فحسب، بل امتد إلى نقل الخبرات الفنية وتدريب الكوادر التنزانية، بما يعزز من استدامة المشروع ويؤكد فلسفة مصر القائمة على بناء القدرات الوطنية للدول الإفريقية، وليس مجرد تنفيذ المشروعات.
ويأتي المشروع في إطار رؤية مصر الرامية إلى تعميق التعاون مع الدول الإفريقية، وتعزيز التكامل الاقتصادي والتنموي، انطلاقًا من الروابط التاريخية التي تجمعها بدول القارة، وحرصها على دعم جهود التنمية ومواجهة تحديات الطاقة والمياه والبنية التحتية.
ويرى مراقبون أن سد "جوليوس نيريري" يمثل رسالة واضحة على قدرة الشركات المصرية على تنفيذ المشروعات العملاقة وفق أعلى المعايير الدولية، كما يعكس الثقة الكبيرة التي تحظى بها الخبرات المصرية داخل القارة الإفريقية، بعد نجاحها في إنجاز المشروع وفق جداول زمنية دقيقة، رغم التحديات الفنية والبيئية التي صاحبت التنفيذ.
وتكتسب زيارة الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى تنزانيا أهمية إضافية في ظل ما تشهده العلاقات الثنائية من تطور متسارع، إذ تمثل الزيارة فرصة لتعزيز التعاون في مجالات الاستثمار والتجارة والطاقة والبنية التحتية، فضلًا عن تنسيق المواقف تجاه القضايا الإقليمية والإفريقية ذات الاهتمام المشترك.

ويؤكد هذا المشروع أن الشراكة المصرية الإفريقية لم تعد تقتصر على العلاقات السياسية والدبلوماسية، بل أصبحت تمتد إلى تنفيذ مشروعات استراتيجية تسهم في تحقيق التنمية الشاملة، وترسخ مفهوم التعاون القائم على تبادل الخبرات والمصالح المشتركة، بما يعزز من مكانة مصر كشريك تنموي موثوق داخل القارة الإفريقية، ويجسد رؤيتها نحو مستقبل إفريقي أكثر تكاملًا وازدهارًا.



