المكيفات الصينية تغزو أوروبا.. موجة الحر تمنح بكين "انتصاراً صناعيا
تحولت موجة الحر الشديدة التي تضرب أوروبا إلى فرصة ذهبية لشركات تصنيع أجهزة التكييف الصينية، بعدما شهدت الأسواق الأوروبية إقبالاً غير مسبوق على أجهزة التبريد القادمة من الصين، في وقت تعاني فيه العديد من المنازل الأوروبية من نقص أنظمة التكييف، ما دفع بكين إلى وصف الطفرة الجديدة بأنها "انتصار صناعي".
ومع تسجيل درجات حرارة قياسية خلال الأسابيع الماضية في دول مثل فرنسا وبريطانيا وإسبانيا، لجأ ملايين الأوروبيين إلى شراء أجهزة التكييف المحمولة والمراوح وآلات صنع الثلج، لتصبح المنتجات الصينية واحدة من أبرز الحلول المتاحة لمواجهة ارتفاع درجات الحرارة.
وتشير تقديرات إلى أن نسبة محدودة فقط من المنازل الأوروبية مجهزة بأنظمة تكييف، حيث لا تتجاوز نسبة المنازل التي تمتلك أجهزة تبريد نحو خُمس المنازل في القارة، مقارنة بانتشار واسع لهذه الأجهزة في دول أخرى حول العالم، وهو ما جعل الطلب على البدائل المحمولة يرتفع بشكل كبير.
قفزة في صادرات التكييف الصينية إلى أوروبا
استفادت الشركات الصينية الكبرى العاملة في قطاع أجهزة التكييف من هذا الطلب المتزايد، وعلى رأسها شركات ميديا وهاير وجري، التي سجلت ارتفاعاً ملحوظاً في المبيعات خلال الفترة الأخيرة.
ووفق بيانات الجمارك الصينية، ارتفعت صادرات أجهزة التكييف من الصين إلى أسواق مثل فرنسا وبريطانيا وهولندا خلال شهر مايو الماضي بأكثر من 55% مقارنة بالعام السابق، في مؤشر يعكس حجم الإقبال الأوروبي على المنتجات الصينية.
وكانت أجهزة "بورتا سبليت" المحمولة من شركة "ميديا" من أبرز المنتجات التي شهدت إقبالاً كبيراً، بعدما نفدت كميات كبيرة منها في الأسواق الأوروبية، ما دفع بعض المستهلكين إلى إنشاء منصات ومواقع إلكترونية لمتابعة توفرها.
وبحسب تصريحات مسؤولين في الشركة، تجاوزت مبيعات هذا الطراز 200 ألف وحدة في أوروبا خلال العام الحالي، بزيادة تقدر بضعف مبيعات العام الماضي.
ولم يقتصر الطلب على أجهزة التكييف فقط، بل امتد إلى منتجات تبريد أخرى مثل المراوح الأرضية والمحمولة وآلات صناعة الثلج، حيث أفادت تقارير بأن بعض المصانع الصينية تعمل على مدار الساعة لتلبية الطلبيات الأوروبية المتزايدة.
الصين تروج للطفرة كدليل على قوتها الصناعية
استغلت وسائل الإعلام الصينية ارتفاع الطلب الأوروبي على أجهزة التكييف للترويج لقدرات الصناعة المحلية، معتبرة أن هذه الطفرة تعكس تحولاً في صورة المنتجات الصينية من مجرد سلع منخفضة التكلفة إلى منتجات قادرة على المنافسة في الأسواق العالمية.
كما نشرت جهات صينية مقاطع فيديو لمصانع شركة "ميديا" تظهر خطوط إنتاج آلية قادرة على تجميع وحدات تكييف خلال ثوانٍ، في محاولة لإبراز التطور التكنولوجي وسرعة التصنيع.
وترى بكين أن نجاح الشركات الصينية في تلبية احتياجات السوق الأوروبية خلال أزمة الحرارة يعكس قوة سلاسل الإمداد الصينية وقدرتها على التكيف السريع مع تغيرات الطلب العالمي.
تفوق صيني ومخاوف أوروبية من فجوة الصناعة
في المقابل، أثارت الطفرة الجديدة مخاوف داخل أوروبا بشأن استمرار اتساع الفجوة الصناعية مع الصين، خاصة في القطاعات التي تعتمد على الإنتاج واسع النطاق وتكلفة التصنيع المنخفضة.
ويرى محللون أن المشكلة لا ترتبط بعدم امتلاك الشركات الأوروبية الخبرة التقنية اللازمة لصناعة أجهزة التكييف، وإنما بقدرتها على إنتاج كميات ضخمة بأسعار تنافسية مقارنة بالمصانع الصينية التي تمتلك شبكات توريد ضخمة وخبرة طويلة في التصنيع الجماعي.
وقال تيانتشن شو، كبير محللي الشؤون الصينية في وحدة الاستخبارات الاقتصادية البريطانية، إن الشركات الأوروبية لا تفتقر إلى المعرفة التقنية، لكنها تواجه تحدياً في القدرة على الإنتاج بكميات كبيرة وبتكاليف منخفضة.
وتأتي هذه التطورات في ظل نقاش أوروبي متزايد حول الاعتماد على المنتجات الصينية، وما يعرف بـ"الصدمة الصينية الثانية"، مع تصاعد المخاوف من تأثير قوة التصنيع الصينية على الصناعات المحلية الأوروبية.
طلب السوق أم نفوذ اقتصادي؟
من جانبها، قللت الحكومة الصينية من أي أبعاد سياسية أو جيوسياسية للطفرة التي حققتها شركات التكييف، مؤكدة أن التجارة العالمية تحكمها احتياجات المستهلكين والتكامل الاقتصادي.
وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية إن التجارة "مدفوعة بطلب السوق وتشكلها المصالح الاقتصادية المتبادلة"، مشيراً إلى أن الشركات الصينية تلبي احتياجات المستهلكين حول العالم.
ويرى مراقبون أن أزمة الحرارة الأوروبية كشفت جانباً جديداً من قوة الصناعة الصينية، حيث تحولت منتجات التبريد من مجرد سلعة استهلاكية إلى عنصر استراتيجي في مواجهة آثار تغير المناخ، لتؤكد بكين مرة أخرى قدرتها على استغلال الفرص الاقتصادية الناتجة عن الأزمات العالمية.



