رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري
الجمهور الإخباري
رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري

بكين تمتص صدمة الإمدادات وتعيد رسم معادلة الطاقة

الصين
الصين

في الوقت الذي يترقب فيه العالم تداعيات أزمة مضيق هرمز واحتمالات عودة تدفق النفط من منطقة الشرق الأوسط، برز دور الصين كعامل حاسم في منع حدوث صدمة نفطية عالمية أكبر، بعدما نجحت في استخدام مخزوناتها الضخمة وتعديل سياسات الاستيراد والاستهلاك لامتصاص جزء كبير من تأثير اضطرابات الإمدادات.

فالصين، باعتبارها ثاني أكبر مستهلك للنفط الخام في العالم، لم تكن مجرد متلقٍ لتداعيات الأزمة، بل أصبحت عنصرًا رئيسيًا في إعادة توازن السوق، بعدما تمكنت من تقليل الضغط على الأسعار العالمية رغم تعطل كميات ضخمة من الإمدادات.

يعد مضيق هرمز واحدًا من أهم شرايين الطاقة في العالم، إذ تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات النفط القادمة من الشرق الأوسط، ما يجعل أي اضطراب في حركته مصدر قلق للأسواق العالمية، ومع اندلاع الأزمة وتعطل أكثر من 11 مليون برميل يوميًا من الإمدادات، ظهرت توقعات بوصول أسعار النفط إلى مستويات قياسية، حيث حذر محللون من احتمال تجاوز سعر البرميل حاجز 200 دولار في حال استمرار الاضطرابات، لكن ما حدث كان مختلفًا؛ إذ بقيت الأسعار تحت السيطرة نسبيًا مقارنة بحجم الأزمة، وهو ما أرجعه محللون بدرجة كبيرة إلى التحركات الصينية.

الصين تستخدم المخزون كسلاح اقتصادي

اعتمدت بكين خلال الأزمة على استراتيجية متعددة المحاور، كان أبرزها استخدام الاحتياطيات النفطية التي بنتها خلال السنوات الماضية، وتشير تقديرات المحللين إلى أن الصين تمتلك أكثر من مليار برميل ضمن احتياطياتها التجارية والاستراتيجية، ما منحها قدرة كبيرة على تعويض جزء من النقص في الإمدادات خلال فترة الاضطرابات، كما خفضت الصين وارداتها من النفط الخام بنحو 3 ملايين برميل يوميًا، وهو رقم يعادل تقريبًا حجم الطلب النفطي الياباني، الأمر الذي ساعد في تخفيف الضغط على السوق العالمية، ويرى خبراء الطاقة أن هذا التحرك غيّر المعادلة التقليدية، بعدما كانت الصين تاريخيًا أحد أكبر محركات ارتفاع الطلب والأسعار، لتصبح هذه المرة عاملًا يساعد على تهدئة السوق.

لم يكن خفض الطلب الصيني نتيجة قرار مؤقت فقط، بل جاء نتيجة تغيرات أوسع في قطاع الطاقة، خلال السنوات الماضية، عملت الصين على بناء مخزونات ضخمة مستفيدة من فترات انخفاض الأسعار، إضافة إلى حصولها على إمدادات بأسعار منخفضة من بعض الدول المنتجة، من بينها روسيا وإيران، كما ساهم التوسع الكبير في سوق السيارات الكهربائية في تقليل الاعتماد على الوقود التقليدي، إذ أصبحت السيارات الكهربائية تمثل نسبة كبيرة من مبيعات السيارات الجديدة في الصين، وبحسب تقديرات وكالة الطاقة الدولية، ساعد انتشار السيارات الكهربائية في الصين على خفض استهلاك النفط بنحو مليون برميل يوميًا خلال العام الماضي.

في الوقت نفسه، عززت الصين موقعها كأكبر لاعب عالمي في مجالات الطاقة المتجددة، خاصة السيارات الكهربائية والبطاريات والطاقة الشمسية، وسجلت صادرات التكنولوجيا النظيفة الصينية مستويات قياسية خلال الفترة الأخيرة، في مؤشر على أن أزمة النفط الأخيرة دفعت العديد من الدول إلى إعادة التفكير في الاعتماد الكامل على الوقود الأحفوري، ويرى محللون أن التحول نحو الطاقة النظيفة لم يعد ملفًا بيئيًا فقط، بل أصبح مرتبطًا مباشرة بأمن الطاقة وتقليل مخاطر الأزمات الجيوسياسية.

هل يتجه سوق النفط إلى فائض جديد؟

مع احتمالات عودة حركة الملاحة الطبيعية في مضيق هرمز واستعادة الإمدادات من الشرق الأوسط، بدأت تظهر توقعات جديدة بشأن مستقبل الأسعار، وتشير تقديرات وكالة الطاقة الدولية إلى أن عودة الإنتاج قد تؤدي إلى فائض في المعروض خلال العام المقبل، مع احتمال تجاوز نمو الإمدادات نمو الطلب العالمي على النفط، وقد يمنح هذا الفائض الأسواق فرصة لإعادة بناء المخزونات التي تراجعت خلال الأزمة، لكنه في الوقت نفسه قد يضغط على أسعار النفط ويغير حسابات المنتجين.

أثبتت أزمة مضيق هرمز أن الصين لم تعد مجرد أكبر مستورد للطاقة، بل أصبحت لاعبًا قادرًا على التأثير في اتجاهات السوق العالمية، فبين المخزونات الضخمة، وتراجع الاعتماد على النفط، والتوسع في الطاقة النظيفة، باتت قرارات بكين بشأن الاستهلاك والاستيراد من أهم العوامل التي تراقبها أسواق النفط، وفي عالم أصبحت فيه الطاقة مرتبطة بالسياسة والاقتصاد والأمن القومي، يبدو أن الصين تحولت من مجرد مستهلك ضخم إلى صمام أمان يحاول الحفاظ على استقرار سوق النفط العالمي.

تم نسخ الرابط