13 عامًا من التحولات.. معركة الدولة ضد الإرهاب والجريمة وحماية الحدود
لم تكن 30 يونيو 2013 مجرد محطة سياسية فاصلة في تاريخ مصر، لكنها كانت أيضًا نقطة تحول كبرى في ملف الأمن، بعدما وجدت الدولة نفسها أمام واحدة من أعقد المراحل الأمنية التي مرت بها البلاد منذ عقود.
قبل هذا التاريخ، كانت الساحة المصرية تشهد حالة غير مسبوقة من التوتر السياسي والانقسام المجتمعي، بالتزامن مع تراجع واضح في قدرة المؤسسات على احتواء الأزمات المتلاحقة، وهو ما انعكس على الوضع الأمني في الشارع، وفتح الباب أمام تصاعد أنشطة جماعات متطرفة استغلت حالة الاضطراب لتوسيع نفوذها، ومع تصاعد الأحداث، لم يعد التحدي الأمني يقتصر على تأمين المظاهرات أو التعامل مع الاحتجاجات، بل امتد إلى مواجهة تنظيمات مسلحة بدأت في استهداف قوات الجيش والشرطة، خاصة في سيناء، التي تحولت إلى ساحة المواجهة الرئيسية مع الإرهاب.
قبل 30 يونيو.. احتقان سياسي وأمني يمهد لمرحلة جديدة
خلال عام 2013، كانت مصر تعيش ظروفًا أمنية معقدة، حيث تزايدت معدلات التوتر بين القوى السياسية المختلفة، بالتزامن مع أزمات اقتصادية واجتماعية أثرت على الشارع، وفي هذا المناخ، بدأت جماعات مسلحة في استغلال حالة عدم الاستقرار، خاصة في شمال سيناء، لتنفيذ عمليات ضد قوات الأمن، باستخدام أساليب جديدة تضمنت العبوات الناسفة والهجمات المباشرة على الأكمنة والمنشآت.
وبحسب تقديرات مراكز بحثية، شهدت الفترة التي أعقبت 30 يونيو تصاعدًا كبيرًا في النشاط الإرهابي، حيث أصبحت مصر تواجه موجة عنف منظمة، ارتبط جزء كبير منها بجماعات أعلنت لاحقًا مبايعتها لتنظيم داعش.
بعد أحداث 30 يونيو، انتقل ملف الأمن إلى مرحلة مختلفة تمامًا، بعدما أصبحت المواجهة مع التنظيمات المسلحة أولوية قصوى، وشهدت البلاد خلال عامي 2013 و2014 ارتفاعًا كبيرًا في العمليات الإرهابية، خاصة ضد قوات الجيش والشرطة، حيث اعتمدت الجماعات المسلحة على استهداف الكمائن الأمنية وزرع العبوات الناسفة وتنفيذ هجمات خاطفة.
وتشير تقديرات بحثية إلى أن عددًا كبيرًا من أفراد القوات المسلحة والشرطة سقطوا خلال السنوات الأولى من المواجهة، في واحدة من أعنف مراحل الحرب على الإرهاب في مصر، وكانت سيناء هي مركز المعركة، بعدما تحولت إلى قاعدة رئيسية للجماعات المسلحة التي حاولت فرض وجودها عبر استهداف القوات الأمنية والبنية التحتية.
سيناء.. المعركة الأصعب في ملف الأمن المصري
مثلت سيناء التحدي الأكبر أمام الدولة المصرية خلال السنوات التالية، بسبب طبيعتها الجغرافية واتساع المناطق الصحراوية، وهو ما منح التنظيمات المسلحة مساحة للحركة، لكن مع تطور المواجهة، تغيرت استراتيجية التعامل الأمني، وانتقلت من رد الفعل إلى الضربات الاستباقية، عبر الاعتماد على المعلومات الاستخباراتية، واستهداف الخلايا المسلحة قبل تنفيذ عملياتها، وأطلقت الدولة عمليات عسكرية وأمنية موسعة في سيناء، كان هدفها الأساسي تفكيك البنية التنظيمية للجماعات المسلحة، وتجفيف مصادر التمويل والتسليح.
أرقام تكشف حجم المعركة الأمنية
خلال السنوات التي أعقبت 30 يونيو، واجهت مصر موجة واسعة من العمليات الإرهابية، حيث سجلت السنوات الأولى أعلى معدلات للهجمات.
وتشير دراسات أمنية إلى سقوط مئات الشهداء من قوات الجيش والشرطة خلال مراحل المواجهة الأولى، بينما أعلنت وزارة الداخلية والقوات المسلحة عن ضبط كميات كبيرة من الأسلحة والذخائر والمتفجرات، وتدمير أوكار وخلايا مرتبطة بالتنظيمات الإرهابية، كما كشفت بيانات رسمية خلال السنوات الماضية عن تنفيذ عمليات أمنية واسعة أسفرت عن ضبط عناصر إرهابية، وتفكيك مخططات تستهدف مؤسسات الدولة والمنشآت الحيوية.
مع تراجع حدة العمليات الإرهابية مقارنة بالسنوات الأولى بعد 2013، توسع مفهوم الأمن ليشمل ملفات أخرى، مثل تأمين الحدود، ومواجهة الجريمة المنظمة، وحماية المشروعات القومية، وتأمين البنية التحتية، ولم تعد المواجهة الأمنية تعتمد فقط على العمليات التقليدية، بل أصبحت تشمل التكنولوجيا الحديثة، وتطوير قدرات المراقبة، وتعزيز التنسيق بين الأجهزة المختلفة، كما فرضت التطورات الإقليمية تحديات جديدة، خاصة مع الأزمات في دول الجوار، وانتشار شبكات تهريب السلاح والهجرة غير الشرعية.
اليوم، وبعد مرور أكثر من عقد على 30 يونيو، أصبح المشهد الأمني مختلفًا بشكل كبير عن السنوات الأولى، فقد تراجعت وتيرة العمليات الإرهابية مقارنة بذروة التصعيد بين 2013 و2017، بينما تركزت الجهود على منع إعادة تشكيل التنظيمات المسلحة، وملاحقة الخلايا النائمة، وتأمين الحدودـ لكن التحديات لم تختفِ بالكامل، إذ لا تزال المنطقة تشهد تهديدات متغيرة، ما يجعل ملف الأمن في حالة تطوير مستمر لمواجهة أشكال جديدة من المخاطر.
يمثل ملف الأمن منذ 30 يونيو قصة تحول كبيرة؛ من مواجهة حالة اضطراب واسعة وتصاعد غير مسبوق للإرهاب، إلى مرحلة تعتمد على السيطرة الأمنية والضربات الاستباقية وحماية الدولة من تهديدات أكثر تعقيدًا، وبينما يظل تقييم هذه المرحلة محل نقاش سياسي واسع، فإن المؤكد أن الأمن أصبح أحد الملفات الأكثر تأثيرًا في مسار الدولة المصرية خلال السنوات الماضية، وشكل عاملًا رئيسيًا في رسم شكل المرحلة التي أعقبت 2013.



