رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري
الجمهور الإخباري
رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري

من أكتوبر تنطلق الحكاية.. مشروع قد يعيد تعريف أمن مصر الدوائي

صناعة الدواء
صناعة الدواء

في الجيزة، حيث لا تبنى المصانع فقط من الخرسانة والحديد، بل تصاغ فيها ملامح الاستقلال الحقيقي، تقف صناعة الدواء كفكرة تتجاوز حدود الاقتصاد إلى معنى أعمق عن سيادة الحياة ذاتها.

توطين الدواء

هنا، يصبح توطين الدواء ليس مجرد مشروع صناعي، بل فعلًا فلسفيًا يعيد تعريف علاقة الدولة بجسد الإنسان، بين الاحتياج والاكتفاء، وبين الاعتماد والقدرة على النجاة.

ففي عالم تتسارع فيه الأزمات الصحية وتتقاطع فيه المصالح الاقتصادية مع ضرورات البقاء، لم تعد صناعة الدواء مجرد نشاط صناعي تقليدي، بل أصبحت مرآة لسيادة الدول، ومقياسًا حقيقيًا لقدرتها على حماية شعوبها.

وفي هذا السياق، تبرز مصر وهي تعيد صياغة أولوياتها الاستراتيجية، واضعةً توطين صناعة الدواء في قلب مشروعها الوطني، باعتباره خط الدفاع الأول في معركة الأمن الصحي.

الدكتور مصطفى مدبولي

ففي الثامن من يونيو الجاري، لم تكن جولة الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، بمدينة السادس من أكتوبر مجرد زيارة تفقدية عابرة، بل بدت أقرب إلى إعلان عملي عن مرحلة جديدة في فلسفة الدولة تجاه الصناعة الدوائية.

حيث اختتم جولته بزيارة مصنع "جلوبال أدفانسد للأدوية"، وهو أحد النماذج التي تسعى الدولة من خلالها إلى تجسيد مفهوم الاكتفاء الذاتي الدوائي، ليس كشعار، بل كواقع إنتاجي قائم.

فيما تكمن أهمية هذه الزيارة في الرسائل التي حملتها، والتي تجاوزت حدود المصنع ذاته، لتؤكد أن الدولة المصرية تنظر إلى صناعة الدواء بوصفها قطاعًا استراتيجيًا لا يقل أهمية عن قطاعات الطاقة أو الأمن الغذائي.

فقد شدد رئيس الوزراء على أن توطين الصناعات الدوائية المتقدمة، خاصة تلك المرتبطة بإنتاج المواد الخام، يمثل أولوية قصوى، في ظل سعي الدولة لتقليل الاعتماد على الخارج، وخفض فاتورة الاستيراد، وتعزيز القدرة التنافسية في الأسواق العالمية.

جائحة كورونا

غير أن هذا التوجه لا يمكن فهمه بمعزل عن السياق العالمي، حيث كشفت الأزمات الأخيرة، وعلى رأسها جائحة كورونا، هشاشة سلاسل الإمداد الدولية، ووضعت الدول أمام اختبار قاسٍ إما امتلاك القدرة على الإنتاج المحلي، أو الارتهان لتقلبات الأسواق الخارجية.

ومن هنا، يبدو توطين صناعة الدواء في مصر استجابة واعية لتحولات عالمية عميقة، وليس مجرد خيار اقتصادي.

من جانبه، أوضح الدكتور خالد عبد الغفار، وزير الصحة والسكان، أن الوزارة تعمل على تنويع آليات دعم هذا التوجه، عبر تعزيز القدرات التصنيعية المحلية، وتهيئة بيئة استثمارية جاذبة، وتذليل العقبات أمام المصنعين.

وهو ما يعكس إدراكًا متناميًا بأن تحقيق الأمن الدوائي لا يتحقق فقط بزيادة الإنتاج، بل ببناء منظومة متكاملة تشمل التشريع، والاستثمار، والرقابة، والبحث العلمي.

وفي هذا الإطار، تلعب هيئة الدواء المصرية دورًا محوريًا، كما أشار الدكتور علي الغمراوي، رئيس الهيئة، الذي أكد أن السوق المصرية باتت تمتلك بنية تنظيمية ورقابية متطورة، تجعلها منصة واعدة لجذب الاستثمارات الدوائية. هذه البنية لا تقتصر على الرقابة، بل تمتد لتشمل دعم الابتكار، وضمان الجودة، وتعزيز الثقة بين المنتج المحلي والشركاء الدوليين.

أما على المستوى التنفيذي، فيقدم مصنع "جلوبال أدفانسد للأدوية" نموذجًا عمليًا لهذا التوجه.

أدوية عالية الفاعلية

فالمصنع، الذي تتجاوز استثماراته 6 ملايين دولار، يتخصص في إنتاج الأدوية عالية الفاعلية، بما في ذلك قطرات العين بتقنية BFS، وهي من التقنيات المتقدمة التي تتطلب معايير تصنيع دقيقة.

ويأتي هذا المصنع ضمن منظومة أوسع لمجموعة "جلوبال" للأدوية، التي تمثل كيانًا صناعيًا متكاملًا في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

وتعكس أرقام المجموعة حجم الطموح الكامن في هذا القطاع؛ إذ تضم نحو 5 آلاف موظف وخبير، وتنتج ما يقرب من 370 مستحضرًا دوائيًا تغطي 12 فئة علاجية، على مساحة إجمالية تبلغ 119 ألف متر مربع.

ولا يقتصر نشاطها على التصنيع، بل يمتد ليشمل البحث والتطوير، والتوزيع، والتصدير، بما يجسد سلسلة قيمة متكاملة لصناعة الدواء.

البعد التصديري

ولا يمكن إغفال البعد التصديري في هذه المنظومة، حيث ترتبط المجموعة باتفاقيات تصدير مع أكثر من 40 دولة، بإجمالي صادرات يصل إلى 10 ملايين دولار، وهو ما يعكس قدرة تنافسية متنامية للمنتج المصري في الأسواق الدولية.

كما تسعى المجموعة إلى مضاعفة قدراتها الإنتاجية خلال الفترة المقبلة، عبر استثمارات تستهدف تطوير عمليات التعبئة والتغليف وزيادة الطاقة الإنتاجية.

وفي سياق الجودة، حصلت المجموعة على عدد من الشهادات الدولية، بما في ذلك شهادات ISO وشهادة ممارسات التصنيع الجيد الأوروبية (European GMP)، وهو ما يعزز من موثوقيتها كشريك صناعي لكبرى الشركات العالمية مثل Abbott وPfizer وSanofi وغيرها.

هذه الشراكات لا تمثل مجرد تعاون تجاري، بل تعكس انتقال الخبرات والتكنولوجيا، وهو أحد أهم أهداف توطين الصناعة.

وخلال الجولة، تفقد رئيس الوزراء مختلف مراحل الإنتاج داخل المصنع، بدءًا من مناطق التحضير وخلط المستحضرات، مرورًا بكبس الأقراص وتعبئة الكبسولات، وصولًا إلى التغليف النهائي.

منظومة دقيقة

وهي جولة تكشف عن تعقيد العملية الإنتاجية، وتؤكد أن صناعة الدواء ليست مجرد خطوط إنتاج، بل منظومة دقيقة تتكامل فيها التكنولوجيا مع الرقابة الصارمة.

لكن، ورغم هذه المؤشرات الإيجابية، يظل السؤال قائمًا؛ هل يكفي توطين الصناعة لتحقيق الأمن الدوائي؟، الإجابة تبدو أكثر تعقيدًا.

فالتوطين، في جوهره، ليس مجرد نقل خطوط إنتاج، بل هو بناء معرفة، وتطوير كوادر بشرية، وتعزيز ثقافة الابتكار؛ إنه انتقال من الاستهلاك إلى الإبداع، ومن التبعية إلى الاستقلال.

ومن هنا، يمكن القول إن ما تشهده مصر اليوم ليس مجرد توسع في عدد المصانع، بل تحول في الوعي ذاته؛ فالدولة التي تدرك قيمة الدواء، تدرك في الوقت نفسه قيمة الإنسان.

وبينما تتشكل خطوط الإنتاج في المصانع، تتشكل أيضًا ملامح مستقبل أكثر استقلالًا، حيث لا يكون الدواء سلعة مستوردة، بل نتاجًا وطنيًا يعبر عن قدرة دولة على حماية حياة مواطنيها.

توطين صناعة الدواء بمصر

في النهاية، يبدو أن توطين صناعة الدواء في مصر لم يعد خيارًا، بل ضرورة وجودية تفرضها تحديات الحاضر ورهانات المستقبل.

وبين الجولات التفقدية والتصريحات الرسمية، تتبلور قصة أكبر، قصة دولة تحاول أن تكتب وصفة علاجها بنفسها.

تم نسخ الرابط