رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري
الجمهور الإخباري
رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري

القدس والقرن الإفريقي.. خرائط النفوذ الجديدة وتحدي الشرعية الدولية

فرحات
فرحات

في لحظة إقليمية ودولية شديدة الاضطراب، تتكشف أمام العالم محاولات متسارعة لإعادة تشكيل خرائط النفوذ والتحالفات خارج الأطر التقليدية التي استقرت عليها قواعد القانون الدولي لعقود طويلة، ومن بين أخطر هذه التحركات ما أُثير مؤخرا بشأن افتتاح تمثيل دبلوماسي لإقليم "أرض الصومال" في القدس المحتلة، وهي خطوة تمثل تطورا بالغ الحساسية يحمل أبعادا سياسية وقانونية وأمنية تتجاوز حدود الإقليم ذاته لتصل إلى قلب الصراع على الشرعية والسيادة في المنطقة العربية والإفريقية.

القضية هنا لا تتعلق فقط بكيان غير معترف به دوليا يسعى إلى تسجيل حضور سياسي، وإنما ترتبط بمحاولة جديدة لفرض وقائع سياسية تتناقض بصورة مباشرة مع قرارات الأمم المتحدة والقانون الدولي، الذي لا يزال يعتبر القدس أرضا محتلة، ويرفض أي إجراءات تهدف إلى تغيير وضعها القانوني أو التاريخي أو الديموغرافي ومن ثم فإن أي تمثيل دبلوماسي داخل القدس المحتلة، أيا كانت طبيعته أو الجهة القائمة به، يمثل تحديا واضحا للإرادة الدولية، ومحاولة لاختبار قدرة المجتمع الدولي على حماية ما تبقى من منظومة الشرعية الدولية.

الأخطر في هذه التطورات أنها تأتي في توقيت يشهد حالة غير مسبوقة من السيولة السياسية في الإقليم، حيث تتداخل المصالح الأمنية بالاقتصادية، وتتراجع أحيانا قوة القانون أمام حسابات النفوذ والممرات الاستراتيجية، القرن الإفريقي اليوم لم يعد مجرد نطاق جغرافي هامشي، بل تحول إلى واحدة من أكثر المناطق حساسية في العالم، نظرا لموقعه المتاخم للبحر الأحمر وخليج عدن، وهما من أهم شرايين التجارة والطاقة الدولية ولذلك فإن أي اختراق سياسي أو أمني في هذه المنطقة لا يمكن عزله عن صراع النفوذ الدولي المتصاعد.

ومن هذا المنطلق، فإن تحركات بعض الكيانات غير المعترف بها دوليا باتت تستخدم ما يمكن تسميته بـ“الدبلوماسية الرمزية”، أي توظيف التحركات السياسية غير التقليدية من أجل كسر العزلة، وتحسين شروط التفاوض، ومحاولة انتزاع شرعية تدريجية عبر التحالف مع قوى تمتلك تأثيرا إقليميا أو دوليا لكن الخطورة الحقيقية تكمن في أن مثل هذه التحركات قد تفتح الباب أمام مرحلة جديدة من إعادة إنتاج الأزمات والانقسامات داخل القارة الإفريقية، بما يهدد مفهوم الدولة الوطنية ذاته.

إن إفريقيا التي دفعت ثمنا باهظا نتيجة الحروب الأهلية والانقسامات العرقية والتدخلات الخارجية، ليست في حاجة اليوم إلى مزيد من النزاعات المرتبطة بمشروعات التفتيت أو إعادة رسم الخرائط السياسية ولهذا ظل الاتحاد الإفريقي متمسكا، عبر عقود، بمبدأ احترام وحدة الدول وسيادتها ورفض الانفصال الأحادي، إدراكا منه أن العبث بهذا الملف قد يقود القارة إلى موجات جديدة من عدم الاستقرار والفوضى السياسية.

الحكومة الفيدرالية الصومالية أمام اختبار دبلوماسي مهم يتطلب تحركا سريعا ومتوازنا عبر المؤسسات الدولية والإقليمية، سواء داخل الأمم المتحدة أو الاتحاد الإفريقي أو الجامعة العربية، من أجل تأكيد الحقوق السيادية للدولة الصومالية، ورفض أي محاولات لتجاوز الشرعية الدولية أو خلق كيانات موازية خارج إطار الدولة المعترف بها.

لكن ما يجب التوقف أمامه بوضوح، هو أن القضية الفلسطينية تظل في قلب هذه التحركات جميعا، لأن القدس ليست مجرد مدينة محل نزاع سياسي، بل تمثل رمزا دينيا وتاريخيا وإنسانيا يرتبط بوجدان الأمة العربية والإسلامية وأي محاولة لتكريس الأمر الواقع داخلها تمثل استفزازا مباشرا لمشاعر ملايين العرب والمسلمين، فضلا عن كونها تقويضا صريحا لفرص السلام والاستقرار في المنطقة.

إن العالم يواجه اليوم تحديا حقيقيا يتمثل في الحفاظ على ما تبقى من قواعد النظام الدولي، بعدما أصبحت بعض القوى تسعى إلى فرض سياسات الأمر الواقع بالقوة أو عبر التحالفات المشبوهة والاختراقات السياسية غير التقليدية وإذا فقد القانون الدولي هيبته، وتحولت الشرعية إلى مجرد نصوص بلا قدرة على الردع، فإن المنطقة ستدخل مرحلة أكثر خطورة من الصراعات المفتوحة وإعادة تشكيل الخرائط بالقوة السياسية والأمنية.

من هنا، فإن المطلوب ليس فقط إصدار بيانات الإدانة أو التعبير عن القلق، بل ضرورة بناء موقف عربي وإفريقي ودولي أكثر تماسكا وصلابة في مواجهة أي محاولات للمساس بالوضع القانوني للقدس أو العبث بسيادة الدول ووحدة أراضيها، المعركة اليوم لم تعد معركة حدود فقط، بل معركة وعي وإرادة وحماية لمفهوم الدولة الوطنية وللقانون الدولي ذاته.

ويبقى الرهان الحقيقي على قدرة الشعوب والدول على الدفاع عن ثوابتها التاريخية، لأن الأمم التي تتخلى عن حقوقها أو تسمح بتآكل شرعيتها، تفتح الباب أمام فوضى لا تتوقف عند حدود الجغرافيا، بل تمتد إلى هوية الأوطان ومستقبل الأجيال القادمة.

تم نسخ الرابط