رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري
الجمهور الإخباري
رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري

بعد كلام نتنياهو... هل تستطيع إسرائيل أن «تستقلّ» عسكرياً عن الولايات المتحدة؟

نتنياهو وترامب
نتنياهو وترامب

شهدت العلاقات العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل تطورًا متسارعًا على مدار العقود الماضية، لتتحول من تعاون محدود بعد قيام إسرائيل عام 1948 إلى واحد من أقوى التحالفات الاستراتيجية والعسكرية في العالم، فقد تأسست هذه الشراكة على مزيج من المصالح الجيوسياسية والتنسيق الأمني والتعاون التكنولوجي، وأصبحت تشمل اليوم مجالات واسعة مثل المساعدات العسكرية، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، وأنظمة الدفاع الصاروخي، والمناورات المشتركة، والتنسيق السياسي والعسكري في ملفات الشرق الأوسط.

تاريخ العلاقات بين إيران وامريكا

في السنوات الأولى بعد إعلان قيام إسرائيل، اعترفت إدارة الرئيس الأمريكي هاري ترومان بالدولة الجديدة سريعًا، لكن واشنطن لم تتحول مباشرة إلى الداعم العسكري الرئيسي لها، وخلال خمسينيات القرن الماضي، لعبت فرنسا دور المورد الأساسي للأسلحة الإسرائيلية، بينما حافظت الولايات المتحدة على موقف أكثر حذرًا خشية الإضرار بعلاقاتها مع الدول العربية والمصالح النفطية الغربية في المنطقة، وبعد أزمة السويس عام 1956، فرضت واشنطن قيودًا على تصدير الأسلحة إلى الشرق الأوسط، ما أبقى التعاون العسكري الأمريكي الإسرائيلي في نطاق محدود نسبيًا.

بدأت العلاقة تأخذ منحى أكثر عمقًا خلال ستينيات القرن الماضي، خاصة في عهد الرئيس الأمريكي جون كينيدي، حين وافقت واشنطن على تزويد إسرائيل بأنظمة دفاعية متطورة، من بينها صواريخ مضادة للطائرات، لكن التحول الأبرز جاء عقب حرب يونيو 1967، عندما رأت الولايات المتحدة في إسرائيل حليفًا قادرًا على مواجهة النفوذ السوفياتي في المنطقة خلال الحرب الباردة، ومنذ ذلك الحين، بدأت واشنطن بتزويد إسرائيل بطائرات مقاتلة متطورة مثل “فانتوم إف-4”، لترسخ بذلك بداية شراكة عسكرية طويلة الأمد.

وتعززت هذه العلاقة بشكل كبير بعد حرب أكتوبر 1973، عندما أطلقت الولايات المتحدة عملية “نيكل غراس”، وهي جسر جوي عسكري ضخم نقل أسلحة ومعدات عاجلة إلى إسرائيل بعد الهجوم المصري السوري المفاجئ. وأسهمت هذه الحرب في توسيع التنسيق الاستخباراتي والتخطيط العسكري المشترك بين الجانبين، كما أرست التزامًا أمريكيًا طويل الأمد بدعم إسرائيل عسكريًا.

شريكان استرايجيان

وخلال ثمانينيات القرن الماضي، وفي عهد الرئيس الأمريكي رونالد ريجان، تحولت إسرائيل إلى شريك استراتيجي رئيسي للولايات المتحدة في مواجهة الاتحاد السوفياتي، وتم توسيع المناورات العسكرية المشتركة، وتخزين معدات عسكرية أمريكية داخل إسرائيل، إضافة إلى تعزيز تبادل المعلومات الاستخباراتية. وفي عام 1987، حصلت إسرائيل على صفة “حليف رئيسي من خارج الناتو”، وهو ما منحها امتيازات خاصة في الحصول على التكنولوجيا العسكرية الأمريكية المتقدمة.

ومع نهاية الحرب الباردة، دخلت العلاقة مرحلة جديدة ركزت على الدفاع الصاروخي ومكافحة الإرهاب. فقد أظهرت حرب الخليج عام 1991 أهمية تطوير أنظمة دفاعية متقدمة بعد تعرض إسرائيل لصواريخ “سكود” العراقية، وهو ما دفع واشنطن وتل أبيب إلى توسيع التعاون في مشاريع الدفاع الجوي والصاروخي. كما تعزز التنسيق بعد هجمات 11 سبتمبر 2001 في مجالات الأمن السيبراني والطائرات المسيرة وتقنيات مكافحة الإرهاب والحرب داخل المدن.

واليوم، تُعد العلاقة العسكرية بين البلدين علاقة مؤسساتية متشابكة على مختلف المستويات، وبموجب مذكرة تفاهم ممتدة لعشر سنوات وُقعت عام 2016، تقدم الولايات المتحدة نحو 3.8 مليار دولار سنويًا كمساعدات عسكرية لإسرائيل، وتُستخدم هذه المساعدات في شراء أسلحة أمريكية متطورة، أبرزها مقاتلات إف-35، إلى جانب أنظمة الرادار والذخائر الذكية وتقنيات المراقبة الحديثة.

دفاع صاروخي مشترك

كما يتعاون الطرفان في تطوير أنظمة دفاع صاروخي مثل “القبة الحديدية” و”مقلاع داود” و”حيتس”، وهي مشاريع تجمع بين التمويل الأمريكي والخبرة التقنية الإسرائيلية، ويُضاف إلى ذلك مستوى عالٍ من تبادل المعلومات الاستخباراتية، والتدريبات الجوية والبحرية المشتركة، والتنسيق السياسي والعسكري في قضايا المنطقة.

ورغم قوة هذا التحالف، فإن العلاقة أصبحت خلال السنوات الأخيرة محل نقاش داخل الولايات المتحدة وإسرائيل، فمنتقدو الدعم الأمريكي يرون أن حجم المساعدات العسكرية لإسرائيل كبير للغاية، وأن واشنطن توفر لها حماية سياسية ودبلوماسية مفرطة، خاصة في المؤسسات الدولية، بينما يعتبر مؤيدو العلاقة أن إسرائيل تمثل حليفًا استراتيجيًا مهمًا في منطقة شديدة الحساسية، وأن التعاون العسكري يحقق فوائد أمنية وتكنولوجية للطرفين.

وتزايد هذا الجدل بعد الحرب على غزة عام 2023، والتي دفعت الولايات المتحدة إلى تسريع شحنات الأسلحة وتعزيز وجودها العسكري في المنطقة، وفي المقابل، بدأ مسؤولون إسرائيليون يتحدثون بشكل أكثر وضوحًا عن ضرورة تقليل الاعتماد العسكري على واشنطن، وأعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو رغبته في أن تتجه إسرائيل تدريجيًا نحو الاستغناء عن المساعدات الأمريكية خلال السنوات المقبلة، في إطار تعزيز استقلال القرار الإسرائيلي.

ورغم امتلاك إسرائيل واحدة من أكثر الصناعات الدفاعية تطورًا في العالم، عبر شركات مثل رافائيل لأنظمة الدفاع المتقدمة وإلبيت سيستمز وصناعات الفضاء الإسرائيلية، فإن تحقيق استقلال عسكري كامل عن الولايات المتحدة لا يزال أمرًا معقدًا. فالقوات الجوية الإسرائيلية تعتمد بشكل كبير على المقاتلات الأمريكية مثل إف-35 وإف-15 وإف-16، وهي طائرات تحتاج إلى دعم لوجستي وصيانة وقطع غيار أمريكية مستمرة.

كما تعتمد إسرائيل خلال الحروب الممتدة على الإمدادات الأمريكية السريعة من الذخائر والصواريخ الاعتراضية وقذائف المدفعية، إضافة إلى الدعم السياسي الأمريكي في المؤسسات الدولية، خاصة في مجلس الأمن الدولي.

ويرى محللون أن حديث نتنياهو عن تقليل الاعتماد على واشنطن قد يكون أيضًا رسالة سياسية تهدف إلى الضغط على الإدارات الأمريكية لضمان استمرار تدفق السلاح والذخائر دون قيود أو تأخير، خاصة بعد الخلافات التي ظهرت مع إدارة الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن بشأن بعض شحنات الأسلحة.

وفي المحصلة، تبدو العلاقة العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل مرشحة للاستمرار، لكن بصيغة قد تصبح أكثر توازنًا مستقبلاً، بحيث تسعى إسرائيل إلى تعزيز قدراتها الذاتية، مع الحفاظ في الوقت نفسه على شراكة استراتيجية عميقة مع واشنطن، تقوم على المصالح الأمنية والتكنولوجية والسياسية المشتركة.

تم نسخ الرابط