رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري
الجمهور الإخباري
رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري

بين الترميم والبعث.. الحضارة المصرية تعود لتروي قصتها من جدران التابوت الأخضر

جانب من التابوت
جانب من التابوت

في قلب القاهرة، لا يقف المتحف المصري مجرد مبنى يحتضن الآثار، بل يبدو كأنه ذاكرة حجرية للعالم القديم وهي تحاول أن تتنفس داخل الحاضر.

فبين جدرانه، لا تُعرض القطع الأثرية بوصفها بقايا زمنٍ منقرض، بل كأفكارٍ ما زالت تطرح أسئلتها على الإنسان المعاصر، عن الخلود، وعن الهوية، وعن معنى أن تبقى الحضارة حية حتى بعد أن يختفي أصحابها.

ومن هذا المنظور، يصبح المتحف أكثر من مساحة عرض؛ إنه نقطة التقاء بين زمنين، حيث يتحول الماضي إلى خطاب مفتوح، ويتحول الأثر إلى سؤال فلسفي عن الوجود والذاكرة والاستمرار.

وفي الوقت ذاته، تعكس مشروعات التطوير الأثري والمتاحفي في مصر محاولة واعية لإعادة صياغة علاقة الإنسان بتراثه، ليس بوصفه ماضياً ساكناً، بل بوصفه طاقة حية قابلة لإعادة الاكتشاف والتأويل.

المتحف المصري

وي ذلك الصدد بدأت قصة تاريخية في أحد أروقة الطابق العلوي داخل المتحف المصري بالقاهرة، حيث تقف قطعة أثرية استثنائية لا تمر أمامها العين مروراً عابراً.

إنه غطاء تابوت الكاهن "عنخ ماعت"، الشهير إعلامياً باسم "التابوت الأخضر"؛ قطعة خشبية ضخمة لم تعد مجرد أثر من العصور المتأخرة للحضارة المصرية، بل تحولت إلى أيقونة ثقافية وتاريخية تجمع بين الفن والعقيدة وقصة استرداد وطنية معاصرة أعادت هذا الكنز إلى مكانه الطبيعي بعد رحلة طويلة خارج الحدود.

رحلة تهريب واسترداد

تعود القصة الحديثة لهذا التابوت إلى عام 2008، حين خرج بشكل غير مشروع من مصر في ظروف مرتبطة بعمليات تهريب آثار كانت تستهدف قطعاً نادرة من التراث المصري. وبعد سنوات من التداول في سوق الآثار الدولية، بدأت الدولة المصرية مساراً قانونياً ودبلوماسياً معقداً لاستعادته.

وفي عام 2022، نجحت الجهود الرسمية في إعادة “التابوت الأخضر” إلى القاهرة، حيث استقر أخيراً داخل المتحف المصري، ليصبح جزءاً من قصة أوسع عن حماية الهوية الثقافية المصرية ومواجهة الاتجار غير المشروع بالآثار.

وبذلك، لم يعد التابوت مجرد قطعة من الماضي، بل أصبح أيضاً رمزاً لحاضرٍ يواجه فيه التراث تحديات العولمة والتهريب والضياع.

الكاهن عنخ ماعت

يرتبط التابوت بكاهن مصري قديم يُعرف باسم "عنخ ماعت"، وهو اسم يحمل دلالة عميقة في اللغة المصرية القديمة، إذ يعني تقريباً، "الحياة في ماعت"، أي الحياة وفق نظام العدالة والحق والتوازن الكوني.

ولا يُنظر إلى الاسم هنا بوصفه مجرد هوية فردية، بل كاختصار لفلسفة كاملة شكّلت جوهر الفكر الديني المصري القديم، حيث لم يكن الدين منفصلاً عن النظام الأخلاقي والكوني الذي يحكم العالم والإنسان معاً.

ويرجح أن هذا الكاهن عاش في إحدى مدن مصر الوسطى، المرتبطة بالمراكز الدينية في العصور المتأخرة، حين كانت طبقة الكهنة تلعب دوراً محورياً في إدارة الطقوس والمعابد والحياة الروحية للمجتمع.

حين يتحول اللون إلى عقيدة

يتميز التابوت بغطاء خشبي آدمي الشكل، تغطيه ألوان ونقوش دقيقة، أبرزها اللون الأخضر الذي يمنح القطعة اسمها الشائع.

في الفكر المصري القديم، لم يكن اللون الأخضر لوناً زخرفياً، بل رمزاً مركباً يحمل دلالات وجودية، من بينها التجدد والحياة بعد الموت، الخصب والإنبات المرتبطان بنهر النيل، وكذا الارتباط بالإله "أوزيريس" بوصفه رمز البعث والعودة إلى الحياة

وبجانب الأخضر، يظهر اللون الأسود في أجزاء من التابوت، وهو لون يحمل بدوره دلالة مزدوجة؛ فهو يشير إلى الموت والتحلل من جهة، وإلى تربة مصر الخصبة من جهة أخرى، في تعبير فلسفي عن دورة الحياة الكاملة بين الفناء والبعث.

التابوت كنص ديني

فيما تكشف تفاصيل التابوت أن المصري القديم لم يتعامل مع الموت بوصفه نهاية، بل بوصفه مرحلة انتقالية.

فغطاء "عنخ ماعت" يحتوي على خمسة أسطر رأسية مكتوبة بالخط الهيروغليفي، مزينة باللون الذهبي، وتضم نصوصاً مستوحاة من "كتاب الموتى"، وهو مجموعة من التعاويذ والنصوص الدينية التي كانت تُرافق المتوفى في رحلته إلى العالم الآخر.

كما يتضمن التابوت عناصر بصرية مثل العيون المطعمة، التي تمنحه طابعاً رمزياً يوحي بالحضور واليقظة، وكأن المتوفى لا يزال يراقب رحلته نحو الخلود.

بهذا المعنى، لا يمكن النظر إلى التابوت كصندوق دفن، بل كنص بصري ديني متكامل، يجمع بين اللغة والصورة والعقيدة في بنية واحدة.

العبقرية الفنية بالعصر المتأخر

وينتمي هذا التابوت إلى العصر المتأخر من الحضارة المصرية القديمة، وهي مرحلة تميزت بتطور ملحوظ في الفن الجنائزي، حيث أصبح التابوت نفسه عملاً فنياً معقداً يعكس مكانة المتوفى.

ويُظهر هذا الأثر مهارة عالية في استخدام الألوان الرمزية المركبة، وكذا دقة النقش الهيروغليفي، بالإضافة دمج النصوص الدينية مع التصميم الفني، وتحويل الغطاء إلى لوحة عقائدية متكاملة.

وهو ما يعكس تطوراً واضحاً في فهم المصري القديم لمفهوم “الخلود”، ليس كفكرة دينية فقط، بل كمنظومة جمالية أيضاً.

من قبرٍ مجهول لأيقونة متحفية

بعد استعادته، لم يُعامل التابوت كقطعة أثرية عادية، بل جرى عرضه ضمن سياق يبرز قيمته التاريخية والفنية وقصة عودته إلى مصر.

وأصبح اليوم جزءاً من المسار المتحفي الذي يهدف إلى توثيق التراث المصري، وكذا إبراز جهود استرداد الآثار، وتعزيز الوعي العام بأهمية حماية الهوية الثقافية.

وبذلك، تحول من غطاء تابوت مجهول المصير إلى رمز وطني معروض أمام الجمهور العالمي.

ما الذي يجعل التابوت الأخضر مختلفاً؟

تكمن فرادة هذه القطعة في كونها تجمع بين ثلاث طبقات متداخلة من المعنى طبقة دينية، تصور فلسفة البعث والخلود، وكذا طبقة فنية تعكس تطور فنون العصر المتأخر، بالإضافة إلى طبقة حديثة، تمثل قصة استرداد قانوني ناجح لتراث مهرب

هذا التداخل يجعل التابوت أكثر من مجرد أثر، بل وثيقة متعددة الأبعاد تقرأ الماضي والحاضر في آن واحد.

حين يتكلم الخشب بلغة الخلود

وفي النهاية وفي صمته الممتد عبر آلاف السنين، لا يزال "التابوت الأخضر" للكاهن عنخ ماعت يطرح سؤالاً يتجاوز حدود الأثر إلى حدود الفلسفة هل كان المصري القديم يدفن الموتى أم كان يصنع لهم بداية أخرى؟

فبين اللون الأخضر الذي يرمز للحياة، والنصوص التي تتحدث عن العبور، وقصة عودته من التهريب إلى المتحف، يصبح هذا التابوت أكثر من مجرد قطعة أثرية؛ إنه مرآة لحضارة آمنت بأن النهاية ليست سوى شكل آخر من أشكال البداية.

تم نسخ الرابط