بنين تستثمر في "ذاكرة المحيط".. كيف تحول ماضي العبودية إلى ثروة سياحية؟
لم يعد التاريخ المؤلم لتجارة العبيد في بنين مجرد جرح وطني، بل تحول إلى ركيزة أساسية لاستراتيجية اقتصادية طموحة. فمن خلال مدينة "أويدا" الساحلية، تسعى بنين للتصالح مع ماضيها عبر ترميم معالم مثل بوابة "لا عودة"، التي يبلغ ارتفاعها 17 متراً، لتصبح مزاراً عالمياً يجسد خطوات العبيد الأخيرة نحو "العالم الجديد". هذه الخطوات لم تعد مجرد ذكرى للحزن، بل أصبحت وسيلة لاستعادة الهوية الثقافية وجذب السياح الباحثين عن فهم الجذور الإفريقية العميقة.
المتاحف التفاعلية وتجسيد التاريخ
تتجه بنين نحو "أنسنة" التاريخ من خلال مشاريع نوعية، أبرزها بناء نسخة طبق الأصل وبحجم طبيعي من سفينة "لورور"، لتكون متحفاً تفاعلياً يروي تفاصيل المعاناة الإنسانية فوق السفن التي غادرت سواحلها في القرن التاسع عشر. هذا النوع من السياحة لا يستهدف "الحشود" بقدر ما يستهدف "الثقافة"، حيث تسعى الدولة لإزالة الغموض عن موروثاتها، وتحويل القصص المكتوبة إلى تجربة بصرية وحسية تربط الشتات الإفريقي بوطنهم الأم.
تصحيح الصورة الذهنية لثقافة "الفودو"
بعيداً عن الصور النمطية السلبية، نجحت بنين في تحويل "الفودو" (الدين الروحي الشعبي) إلى عامل جذب سياحي رائد عبر مهرجان "أيام الفودون". هذا المهرجان الذي اجتذب نحو مليوني زائر هذا العام، يهدف إلى "نزع الأساطير" المحيطة بهذه العقيدة وتسليط الضوء على قيمتها الروحية والتراثية. وبالنسبة للحكومة، فإن تطوير هذا القطاع ليس مجرد وسيلة لجلب العملة الصعبة، بل هو أداة لتشجيع السياحة الداخلية ودفع المواطنين لاستعادة اعتزازهم بهويتهم.
طموحات اقتصادية وتسهيلات تشريعية
تضع بنين السياحة في قلب خطتها القومية، مستهدفة رفع مساهمة القطاع في الناتج المحلي الإجمالي من 6% حالياً إلى ما يتراوح بين 10% و15% خلال العقد المقبل. ولتحقيق ذلك، أطلقت الدولة ثورة في البنية التحتية تشمل ترميم الطرق وبناء منتجعات فاخرة مثل "كلوب ميد" المقرر افتتاحه في 2027، إلى جانب تسهيل إجراءات التأشيرة. كما اتخذت خطوة "رد اعتبار" تاريخية بمنح الجنسية البنينية لكل من يثبت انحداره من أصول إفريقية تم استعبادها وشحنها إلى الأمريكتين.
الاستمرارية السياسية ومستقبل "الطفرة"
تأتي هذه التحولات الاقتصادية بالتزامن مع استحقاق رئاسي هام، يهدف لاختيار خليفة للرئيس "باتريس تالون"، مهندس هذه النهضة السياحية. ومع تعهد المرشحين الأوفر حظاً بالمضي قدماً في مشاريع البنية التحتية والتراث، يبدو أن بنين قد حسمت خيارها بأن ثروتها الحقيقية ليست في المعادن، بل في كونها أرضاً للثقافات العظيمة وشاهدة على لحظات محورية في تاريخ البشرية، مما يجعل من سياحتها "برج إيفل" خاصاً بغرب إفريقيا.



