عقيدة المقايضة 2026.. واشنطن تساوم الحلفاء بالأمن مقابل الملاحة
لم يكن الثامن من أبريل 2026 يوماً عادياً في تاريخ العلاقات العبر أطلسية؛ إذ تحول اللقاء المرتقب بين أمين عام الناتو "مارك روته" والرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" من محاولة لاحتواء الأزمات إلى "اجتماع كارثي" أعاد رسم ملامح الحلف بالدم والنار السياسية. خرج روته محبطاً، بينما خرج ترامب ليشن هجوماً لاذعاً عبر منصته "تروث سوشال"، واصفاً الحلف بأنه "غائب وقت الحاجة"، ومستخدماً ملفات استراتيجية قديمة كـ "غرينلاند" للتذكير بسقف توقعاته المرتفع من الحلفاء.
من حرب إيران إلى "معركة المضائق"
التحول الجوهري في استراتيجية ترامب تمثل في تغيير "ساحة الاختبار". فبعد الرفض الأوروبي القاطع للانجرار إلى مواجهة عسكرية مباشرة مع إيران، نقل ترامب المعركة إلى الميدان الاقتصادي والملاحي. الإنذار الذي نقله روته للعواصم الأوروبية كان صريحاً: "فتح مضيق هرمز في أيام لا أسابيع".
هذا الطلب وضع أوروبا في زاوية ضيقة؛ فبينما كانت المشاركة في حرب شاملة مستحيلة قانونياً وسياسياً، فإن العمليات البحرية لتأمين الملاحة الدولية تمثل "منطقة رمادية" قابلة للتفاوض، خاصة مع وجود تحالف دولي تقوده بريطانيا يضم 40 دولة، ينتظر اللحظة المناسبة للتحرك.
أزمة الثقة وانهيار "المظلة التقليدية"
تجاوز التصعيد اللفظي حدود السياسة ليصل إلى المؤسسة العسكرية. صرخة الجنرال "مندون"، رئيس الأركان الفرنسي، أمام الجمعية الوطنية، كشفت عن "صدع وجودي"؛ حيث لم يعد القادة العسكريون الأوروبيون يثقون في الالتزام الأمريكي. الاعتراف بأن القادة الأمريكيين صارحوا نظراءهم الأوروبيين بأن واشنطن "قد لا تلبي احتياجاتهم وقت الشدة" ينهي حقبة "الضمانة الأمنية المطلقة" التي استمرت لعقود.
التناقض الترامبي: العداء مع التمسك بالبنية التحتية
رغم نبرة التهديد بالانسحاب، تعيش واشنطن حالة من التناقض العملي. فهي تهاجم الحلفاء لكنها ترفض التخلي عن مراكز قوتها في القارة العجوز. إن وجود 80 ألف جندي أمريكي وقواعد استراتيجية مثل "رامشتاين" في ألمانيا ليس لحماية أوروبا فحسب، بل هو "العصب المحوري" لعمليات واشنطن في الشرق الأوسط وأفريقيا. الحقيقة المرة التي تدركها العواصم الأوروبية هي أن هؤلاء الجنود يؤدون مهام لوجستية لواشنطن أكثر من كونه حائط صد للدفاع عن القارة.
انقسام أوروبي.. بين الصمت والتمرد
أظهرت الأزمة شرخاً داخل البيت الأوروبي:
الجناح الشرقي (بولندا ودول البلطيق): يلتزم الصمت والولاء خشية الانتقام الترامبي، في ظل اعتمادهم الكلي على أمريكا لمواجهة روسيا.
الجناح الغربي (فرنسا وإسبانيا): يقود جبهة الرفض الصريح، حيث يربط وزير الخارجية الفرنسي "بارو" فتح هرمز بتسوية سياسية شاملة، رافضاً الخضوع للجدول الزمني الأمريكي الضيق.
نحو انتقال "فوضوي"؟
يدخل "الناتو" اليوم أصعب اختبار منذ تأسيسه عام 1949. السؤال الذي يطرحه الخبراء ليس عما إذا كان الحلف سيتغير، بل "كيف سيتغير؟". هل سيكون انتقالاً منظماً نحو تقاسم عادل للأعباء، أم انهياراً فوضوياً يترك أوروبا عارية أمنياً أمام تهديدات الشرق؟ في ظل سياسة ترامب "المهدِّد لكن المتمسك بمقاعده"، تظل القيادة الاستراتيجية للحلف بيد الأمريكيين، لكن بروح شراكة محطمة تنتظر من يرممها أو يعلن وفاتها.



