رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري
الجمهور الإخباري
رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري

ريحة السمن على باب الدار.. كعك العيد حكاية فرحة ما بتخلصش

كعك العيد
كعك العيد

مع اقتراب إسدال الستار على شهر رمضان المبارك، تتغير ملامح الشوارع المصرية، وتفوح من النوافذ رائحة "التحويجة" المميزة، لتعلن بدء أحد أقدم وأحب الطقوس في حياة المصريين: إعداد كعك العيد، فالكعك ليس مجرد حلوى موسمية تُقدم للضيوف، بل طقس اجتماعي متكامل، وعلامة راسخة على انتصار البهجة، وجسر حي يربط الحاضر بجذور ضاربة في عمق التاريخ.

من المعابد القديمة إلى موائد العيد

تشير دراسات تاريخية إلى أن كعك العيد يعود بجذوره إلى عصور مصر القديمة، حيث عُثر على نقوش تصوّر أشكالًا دائرية من المخبوزات كانت تُقدم في المناسبات والاحتفالات الدينية، وتحمل رموزًا شبيهة بقرص الشمس، حيث يُقال إن زوجات الملوك قدّمن الكعك للكهنة والمقربين داخل المعابد، في مشهد يختلط فيه الطقس الديني بالاحتفال الشعبي، ومع تعاقب العصور، لا سيما في العصرين الإخشيدي والفاطمي، اكتسب الكعك طابعًا احتفاليًا رسميًا، إذ كانت الدولة تُشرف على صناعته وتوزيعه في مواكب مهيبة قبيل العيد، ليصبح تدريجيًا البطل الأول على مائدة عيد الفطر، ورمزًا للكرم والفرحة الجماعية.

«اللّمة» حول الطبلية.. طقس لا يُشترى

رغم انتشار المخابز الحديثة والعلامات التجارية الكبرى، لا تزال كثير من الأسر المصرية، خصوصًا في القرى والأحياء الشعبية، تتمسك بطقس إعداد الكعك منزليًا. تبدأ الحكاية بشراء الدقيق الفاخر والسمن البلدي، ثم مرحلة "البَس" التي تتطلب صبرًا ودقة لامتزاج المكونات، وصولًا إلى لحظة النقش بالمناقيش المعدنية التقليدية، وفي تلك اللحظات، لا يكون الهدف مجرد إنتاج حلوى، بل صناعة ذكرى. تجتمع الجدات والأمهات والفتيات حول "الطبلية"، يتبادلن الضحكات والأغاني الشعبية، بينما يتعلم الصغار أسرار النقش وأشكاله. إنها ورشة حب عائلية، تمنح الكعك نكهة خاصة لا يمكن أن توفرها أي ماكينة حديثة.

اقتصاد البهجة.. سوق ينتعش رغم التحديات

على الجانب الآخر، يشهد سوق الكعك الجاهز انتعاشًا ملحوظًا مع اقتراب العيد، حيث تتنافس المحال في تقديم تشكيلات متنوعة تناسب مختلف الأذواق والميزانيات. ورغم ارتفاع أسعار المواد الخام، لا تزال معدلات الإقبال مرتفعة، في دلالة واضحة على تمسك المصريين بطقس "فرحة العيد" مهما كانت التحديات الاقتصادية، حيث تتنوع الأصناف بين الكعك السادة، والمحشو بالعجوة أو الملبن، إلى جانب ابتكارات عصرية مثل نكهات "الريد فيلفيت" و"اللوتس"، في محاولة لمواكبة أذواق الأجيال الجديدة، دون التخلي عن الشكل التراثي المميز.

رمز يتجاوز حدود المطبخ

يبقى كعك العيد أكثر من مجرد طعام موسمي؛ إنه رسالة اجتماعية عنوانها المشاركة والكرم وصلة الرحم. فمع أول صباح للعيد، يتصدر الكعك موائد البيوت، يُقدَّم مع الشاي للضيوف، ويتبادل الجيران أطباقه في مشهد يعكس دفء العلاقات الإنسانية، وبين النقش المتقن ورائحة السمن البلدي، وبين ذكريات الطفولة وبهجة الكبار، يظل كعك العيد شاهدًا حيًا على قدرة المصريين الدائمة على صناعة الفرح، وتحويل أبسط التفاصيل إلى احتفال بالحياة.

تم نسخ الرابط