في ذكرى رحيله.. رشاد رشدي بين مساندة أنور السادات وتحفظات المثقفين
تحل ذكرى رحيل الدكتور رشاد رشدي، أحد أبرز أعلام الأدب الإنجليزي في مصر، والذي جمع بين الصرامة الأكاديمية والإبداع المسرحي، فكان أستاذًا جامعيًا مرموقًا وكاتبًا مسرحيًا ترك بصمة واضحة في الحركة الثقافية المصرية خلال النصف الثاني من القرن العشرين.
أستاذ الأدب الإنجليزي ورائد مسرحي
وُلد رشاد رشدي عام 1912، ودرس الأدب الإنجليزي حتى حصل على الدكتوراه من جامعة ليدز بإنجلترا، قبل أن يتولى التدريس في جامعة القاهرة. كما شغل رئاسة أكاديمية الفنون، وأسهم في ترسيخ تقاليد الاحتفال بعيد الفن.
بدأ مسيرته الأدبية بكتابة القصة القصيرة، فأصدر عام 1954 مجموعة “عربة الحريم”، غير أن حضوره الأبرز كان في المسرح خلال ستينيات القرن الماضي، حيث عُدّ من كتاب المرحلة، وقدم أعمالًا اتسمت بثقافة واسعة ورؤية فكرية واضحة.
جدل العلاقة بالسادات
شكلت صداقته بالرئيس الراحل أنور السادات نقطة تحول في مسيرته، إذ تولى الدفاع عن سياسات الرئيس في أوساط ثقافية كانت تميل إلى النقد والمعارضة. هذا الموقف جعله عرضة لانتقادات واسعة، ووصمه بعض المثقفين بـ“كاتب النظام”، خاصة في وقت كان فيه كتاب مسرحيون مثل سعد الدين وهبة وألفريد فرج ومحمود دياب يقدمون نصوصًا ذات طابع نقدي واضح.
في المقابل، رأى فريق آخر أن مواقفه تندرج ضمن حرية الرأي، وأن الاختلاف السياسي لا ينبغي أن يكون سببًا في إقصاء صاحب تجربة إبداعية ممتدة.
بين الإبداع والموقف السياسي
اتسمت بعض مسرحياته بنبرة أقرب إلى التبرير السياسي، مثل “خيال الظل” و“بلدي يا بلدي” و“حلاوة زمان”، وهو ما عزز صورة انحيازه للنظام القائم آنذاك. ومع تولي السادات الحكم عقب وفاة جمال عبد الناصر، بدا أن رشدي أكثر قربًا من الخطاب الرسمي، في وقت كانت فيه الساحة الثقافية تشهد استقطابًا حادًا.
غير أن رشاد رشدي رفض تصنيفه ضمن ثنائيات الخيانة والولاء، مؤكدًا في أكثر من مناسبة أن الإنسان أعقد من أن يُختزل في موقف سياسي واحد، وأن التسامح وقبول الاختلاف جزء من رؤيته للحياة.
دعاء ليلة القدر.. صوت آخر للمثقف
في أعقاب انتصار أكتوبر 1973، كتب رشاد رشدي مقالًا بمناسبة ليلة القدر، عبّر فيه عن رؤية روحانية عميقة، مؤكدًا أن الإبداع لا يتحقق إلا بالقدرة على “التخلص من الذات”، وأن الحرية الحقيقية تنبع من الداخل، لا من الظروف الخارجية.
واختتم مقاله بدعاء يؤكد تمسكه بالحرية المعنوية، قائلًا إنه قد يُقيّد الجسد، لكن النفس تبقى طليقة، في تعبير يكشف جانبًا وجدانيًا من شخصيته، بعيدًا عن الجدل السياسي.
وبين الأستاذ الجامعي الصارم، والمسرحي المثير للجدل، والمثقف المنحاز لرؤيته، يبقى رشاد رشدي نموذجًا لشخصية ثقافية عاشت تحولات مصر الكبرى، ودفعت ثمن اختياراتها في ساحة لا تعرف الحياد.

