تعرف على حكم صيام من أكل بعد طلوع الفجر ظانا بقاء الليل
السؤال: تسحرت وأنا شاكَّة في طلوع الفجر، ثم تبين لي بعد الانتهاء من الأكل أن وقت الفجر قد انتهى وبدأ النهار، فما حكم ما فعلتُه؟ وما حكم صومي؟ وهل يجب عليَّ قضاء ذلك اليوم؟ وما الحكم لو أفطرتُ وأنا أظنُّ أن الشمس قد غربت ثم تبين أنها لم تغرب بعد؟
الجواب:
المختار للفتوى أن من أكل شاكًّا في طلوع الفجر ثم تبين خطؤه: فصومه صحيح ولا يلزمه القضاء، وأن من أفطر وهو شاك في غروب الشمس لزمه القضاء ما دام لم يترجح عنده غروبها، فإذا اجتهد حتى غلب على ظنه غروبها فأفطر ثم تبين خطؤه: فلا قضاء عليه؛ لأن الظن الغالب كالمتيقن والخطأ بعد الاجتهاد مرفوع عن المكلف.
قاعدة "اليقين لا يزول بالشك"
من سعة الشريعة الإسلامية ورحمتها أنها رفعت عن المكلفين الحرج، واستنبط الفقهاء من نصوصها القواعد والضوابط التي تكشف عن مقاصدها وعلل أحكامها، وفرقت في أفعال المكلفين بين العمد والخطأ والشك والنسيان، فتواردت النصوص على أن الإنسان مسؤول ومحاسب على ما كان منه في حال العمد، قال تعالى: ﴿وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب: 5]، مرفوع عنه المؤاخذة والإثم إن كان ناسيًا أو مخطئًا، قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: 286]، ووضعت لحال الشك قاعدة محكمة تمنع بها المكلف من الخوض في غياهب الشك والتردد، وهي قاعدة "اليقين لا يزول بالشك".
فعن عبد الله بن زيد الأنصاري المازني رضي الله عنه قال: شُكِيَ إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم الرجلُ يجد في الصلاة شيئًا، أيقطع الصلاة؟ قال: «لَا، حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا» متفق عليه.
قال الإمام التاج السبكي الشافعي في "الأشباه والنظائر" (1/ 13، ط. دار الكتب العلمية): [اليقين لا يرفع بالشك، ولا يخفى أنه لا شك مع اليقين، ولكن المراد: استصحاب الأصل المتيقن لا يزيله شك طارئ عليه، فقل إن شئت: الأصل بقاء ما كان على ما كان، أو الاستصحاب حجة] اهـ.
وقال الإمام الزركشي الشافعي في "البحر المحيط" (8/ 13، ط. دار الكتب العلمية): [استصحاب الحال لأمر وجودي أو عدمي، عقلي أو شرعي، ومعناه: أن ما ثبت في الزمن الماضي فالأصل بقاؤه في الزمن المستقبل، وهو معنى قولهم: الأصل بقاء ما كان على ما كان حتى يوجد المزيل، فمن ادعاه فعليه البيان] اهـ.
وجاء في "مجلة الأحكام العدلية" (ص: 17، ط. نور محمد): [ما ثبت بزمان يحكم ببقائه ما لم يوجد دليل على خلافه] اهـ.
وهذه القاعدة تبين الفرق بين مسألتَي الأكل بعد الفجر عند الشك في عدم طلوعه، والأكل قبل المغرب عند الشك في غروب الشمس؛ فإنه لَمّا كان المعتبر من الأمور بقاءَ ما كان على ما كان حتى يثبت ما يغيره: تباين الحال في المسألتين:
فحالُ من شك في طلوع الفجر حالُ سحور؛ لأن الليل هو الأصل، والنهار لا يثبت بالشك، فيظل على حاله، حتى يثبت عنده وجوب الإمساك.
وحالُ من شك في غروب الشمس حالُ إمساك؛ لأن النهار هو الأصل، والليل لا يثبت بالشك؛ فيظل على حاله، حتى يثبت عنده جواز الإفطار.
ولذلك اتفق الفقهاء على وجوب القضاء على من أكل أو شرب في رمضان وهو شاكٌّ في غروب الشمس؛ لأنه لم يستصحب الأصل، بينما لم يوجب جمهورهم عليه القضاء إذا أكل وهو شاك في طلوع الفجر؛ لأنه مستصحب للأصل، ما لم يتبين خطؤه؛ لتعارض استصحاب الأصل مع الاحتياط.
قال الإمام ابن رشد المالكي في "المقدمات الممهدات" (1/ 249، ط. دار الغرب الإسلامي): [ومن جهة المعنى: أن الأكل بالليل مباح؛ فلا يمتنع منه إلا بيقين وهو تبين الفجر، والأكل بالنهار في رمضان محظور؛ فلا يستباح إلا بيقين، وهو تبين غروب الشمس] اهـ.
وقال الإمام الزركشي الحنبلي في "شرح مختصر الخرقي" (2/ 601، ط. العبيكان): [واتفقوا على وجوب القضاء فيما إذا أكل شاكًّا في غروب الشمس، لا في طلوع الفجر؛ نظرًا للأصل فيهما] اهـ.
حكم صيام من أكل أو شرب شاكا في طلوع الفجر وأقوال الفقهاء في ذلك
فأما حالة الشك في طلوع الفجر:
فجمهور الفقهاء لا يحرمون عليه الأكل حتى يتيقن الفجرَ؛ فالحنفية يستحبون للشاك في طلوع الفجر أن يدع الطعام والشراب، وأجاز الشافعية والحنابلة له الأكل والشرب حتى يتيقن؛ استصحابًا للأصل في بقاء الليل، ولعدم قيام الدليل على طلوع الفجر.
جاء في كتاب "الأصل" للإمام محمد بن الحسن الشيباني (2/ 209، ط. إدارة القرآن): [قلت: أرأيت رجلًا تسحر في شهر رمضان فشك في الفجر؛ طلع، أم لم يطلع؟ قال: "أحب إليّ إذا شك أن يدع الأكل والشرب"، قلت: فإذا أكل وهو شاكٌّ في الفجر؟ قال: "صومه تام"] اهـ.
وقال الإمام الكاساني الحنفي في "بدائع الصنائع" (2/ 105، ط. دار الكتب العلمية): [ولو أكل وهو شاكٌّ: لا يحكم عليه بوجوب القضاء عليه؛ لأن فساد الصوم مشكوك فيه؛ لوقوع الشك في طلوع الفجر، مع أن الأصل هو بقاء الليل، فلا يثبت النهار بالشك] اهـ.
وقال إمام الحرمين في "نهاية المطلب" (4/ 22، ط. دار المنهاج): [ولو فرض أكل من غير اجتهاد، ولم يتبين أمرٌ، فالوجه القطع بأن لا قضاء أيضًا؛ اكتفاء باستصحاب الحال] اهـ.
وقال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في "المهذب" (1/ 333، ط. دار الكتب العلمية): [وإن أكل وهو يشك في طلوع الفجر صح صومه؛ لأن الأصل بقاء الليل، وإن أكل وهو يشك في غروب الشمس لم يصح صومه؛ لأن الأصل بقاء النهار] اهـ.
وقال الإمام النووي الشافعي في "المجموع" (6/ 306، ط. دار الفكر): [ولو شك في طلوع الفجر جاز له الأكل والشرب والجماع وغيرها بلا خلاف حتى يتحقق الفجرَ؛ للآية الكريمة: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ﴾... وقد اتفق أصحابنا على جواز الأكل للشاك في طلوع الفجر؛ وصرحوا بذلك، فممن صرح به: الماوردي، والدارمي، والبندنيجي، وخلائق لا يحصون.