رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري
الجمهور الإخباري
رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري

حين يتحول البحر إلى ثروة.. ماذا يحدث شرق بورسعيد؟

ارشيفية
ارشيفية

محافظة بورسعيد، تلك المدينة التي اعتادت أن تكون بوابةً للبحر والتاريخ، تكتب اليوم فصلًا جديدًا من علاقتها بالماء؛ فبين ضفاف المتوسط وامتداد قناة السويس، لا يصبح البحر مجرد أفقٍ أزرق، بل يتحول إلى موردٍ للحياة ومختبرٍ للطموح الإنساني.

هنا، يتجسد مشروع الفيروز للاستزراع السمكي كفكرةٍ تتجاوز حدود الإنتاج، ليكون تأملًا عميقًا في قدرة الإنسان على مصادقة الطبيعة لا استنزافها، وعلى تحويل الموج إلى فرصة، والملوحة إلى غذاء، والمساحات الممتدة إلى قيمةٍ مضافةٍ تعيد تعريف التنمية.

إن المشروع ليس مجرد أحواضٍ وأسماك، بل رؤية فلسفية ترى في الأمن الغذائي ركيزةً للسيادة، وفي العمل كرامةً، وفي التخطيط طويل المدى وعدًا بمستقبلٍ أكثر توازنًا؛ وكأن بورسعيد، التي لطالما ارتبط اسمها بالعبور، تعبر اليوم من مرحلة الاكتفاء المحدود إلى أفق الوفرة والاستدامة، حيث يصبح البحر شريكًا في صناعة الغد.

الأكبر بالشرق الأوسط

بدأت القصة على امتداد ساحل البحر المتوسط، حينما شهدت مصر افتتاح المرحلة الأولى من مشروع الفيروز للاستزراع السمكي، المشروع الأكبر من نوعه في الشرق الأوسط، والذي يمثل خطوة استراتيجية لتعزيز الأمن الغذائي وتحقيق الاكتفاء الذاتي وتقليص الاستيراد من المنتجات البحرية.

فيما يقام المشروع على مساحة تقدر بـ26 ألف فدان تقريبًا، بمحاذاة ساحل يمتد 17 كم وعمق يصل إلى 10 كم شرق بورسعيد، ويضم 5,908 أحواض للاستزراع السمكي، بمساحة 1.75 فدان لكل حوض، بطاقة إنتاجية تفوق 13 ألف طن سنويًا من الأسماك والجمبري.

بحيرات الفيروز

إلى جانب الأحواض، تضم مزرعة الفيروز بحيرات للصيد البحري على مساحة 10 آلاف فدان مقسمة إلى: البحيرة الشرقية على مساحة 425 فدان، والبحيرة الغربية على مساحة 5,772 فدان، بالإضافة إلى أحواض الترسيب على مساحة 3,565 فدان

كما تم إنشاء حوض للسفن بطول 120 متر وعرض 80 مترًا ليستوعب ست سفن صيد يصل طولها إلى 30 مترًا، بالإضافة إلى منطقة لوجستية لخدمة الأقفاص السمكية في البحر المتوسط، تشمل ساحات لغسيل الشباك، مخازن علف بطاقة 100 طن، وثلاجات تخزين بطاقة 50 طن.

وتضم المنطقة أيضًا منشآت إدارية وصناعية، تتكون من مبنى الإدارة، سكن إداري، مناطق خدمية، وصالة فرز وتعبئة بطاقة 8 أطنان أسماك وجمبري يوميًا، إلى جانب مصنع للثلج بطاقة إنتاجية 40 طن يوميًا وستة مخازن علف بسعة تخزينية 6,000 طن.

ولضمان استدامة الإنتاج، تم إنشاء معامل بحثية لفحص جودة المياه والتربة، صلاحية العلف، وسلامة صحة الأسماك، ما يعزز الأمان الحيوي للمزرعة ويضمن إنتاجًا عالي الجودة.

10 آلاف فرصة 

وكان أكد السفير بسام راضي، أن مشروع الفيروز يعد الأكبر من نوعه في الشرق الأوسط، ويهدف إلى تنمية منطقة قناة السويس وشبه جزيرة سيناء، وتوفير 10 آلاف فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة في مختلف المهن والتخصصات المرتبطة بالصيد والاستزراع السمكي والتصنيع والتغليف والخدمات اللوجستية.

وأشار الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال افتتاح المشروع إلى ضخ الدولة مليارات الجنيهات في مشروعات مماثلة لضمان تحقيق الاكتفاء الذاتي، وتقليل الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك، مؤكدًا أن الدولة لن تضيع أي فرصة لتحقيق أقصى استفادة من البحيرات والأحواض السمكية الموجودة في مصر.

نحو الاكتفاء الذاتي

ومن جانبه أوضح الدكتور محمد القرش، متحدث وزارة الزراعة السابق، أن مصر وصلت إلى إنتاج نحو مليوني طن أسماك سنويًا، مما يضعها على مشارف تحقيق الاكتفاء الذاتي، وأنها تحتل المرتبة السادسة عالميًا في إنتاج أسماك البلطي، والأولى أفريقيًا في الاستزراع السمكي، مع استيراد محدود لأنواع لا يمكن إنتاجها محليًا، مثل التونة والماكريل.

وأشار القرش إلى أن صادرات مصر من الأسماك بلغت نحو 35 ألف طن خلال عام 2019، مقابل استيراد 325 ألف طن، مؤكداً أن المشروع يسهم في زيادة التصدير للأسواق العربية والأوروبية، بما يعزز الدخل القومي والعملات الصعبة.

مشروع متكامل

فيما يمثل مشروع الفيروز تجربة فريدة من نوعها، إذ يتم لأول مرة الجمع بين الاستزراع في الأحواض المغلقة والأقفاص البحرية الضخمة في البحر المتوسط، مع إنشاء مفرخ لإنتاج 160 مليون زريعة سمكية سنويًا، أهمها الدنيس والقاروص واللوت والبوري، إضافة إلى 500 مليون يرقة جمبري سنويًا، وحضانة لتجهيز 160 مليون أصبعية و300 مليون يرقة جمبري.

كما تم تجهيز المزرعة بمحطات ضخ مياه عملاقة لتغذية الأحواض، ومحطات مماثلة لصرف المياه بعد استخدامها، بالإضافة إلى آليات حديثة لتسهيل الإنتاج وحفظ الأسماك وتصنيعها بعد الاستزراع.

المشروع والتنمية

وفي النهاية يمثل مشروع الفيروز نقلة نوعية في مجال الأمن الغذائي والاقتصاد البحري في مصر، إذ يسهم في خلق آلاف فرص العمل، وتعزيز الصادرات السمكية، وتحقيق تنمية صناعية وعمرانية في شرق التفريعة ومحافظة بورسعيد، ويعيد صياغة المنطقة لتصبح مركزًا إقليميًا للاستزراع السمكي والصناعات المرتبطة به.

وليؤكد المشروع مرة أخرى قدرة مصر على تحويل مواردها الطبيعية إلى قيمة اقتصادية مستدامة، بما يضمن فرص عمل للمواطنين ويحقق تنمية متوازنة ومستدامة على ساحل البحر المتوسط.

تم نسخ الرابط