رحلة الفشار التاريخية.. من النار الأولى إلى صالات السينما
يُعد الفشار اليوم واحدًا من أكثر الوجبات الخفيفة انتشارًا حول العالم، ورفيقًا شبه دائم لتجربة مشاهدة الأفلام، لكن قصته تعود إلى آلاف السنين قبل أن يصبح رمزًا للسينما والترفيه.
وتشير الدراسات التاريخية والأثرية إلى أن الإنسان عرف الفشار منذ عصور سحيقة، عندما لاحظ بالصدفة أن بعض حبات الذرة تنفجر وتتحول إلى كتل بيضاء خفيفة عند تعرّضها للحرارة، هذه الملاحظة البسيطة كانت بداية واحدة من أقدم طرق تحضير الطعام في تاريخ البشرية.
وأكدت الاكتشافات الأثرية هذه الفرضية، إذ عثر الباحثون على حبوب ذرة منتفخة وأدوات بدائية مخصصة لتحضيرها يعود تاريخها إلى آلاف السنين.
أظهرت الأدلة أن شعوب أمريكا الوسطى، مع بدايات القرن السادس عشر، لم تستخدم الفشار كغذاء فقط، بل كعنصر جمالي أيضًا، حيث صُنعت منه زينة للشعر وقلائد وحُلي.
نظريات متعددة لأصل الفشار
تتعدد الروايات حول الأصل الدقيق لاختراع الفشار، إذ تنسب بعض النظريات الفضل إلى السكان الأصليين في أمريكا، الذين استخدموا أواني فخارية مثقوبة لتسخين حبوب الذرة مع الزيت.
بينما تشير روايات أخرى إلى أن سكان المكسيك القدماء طوروا طرقًا مختلفة، مثل دفن كوز الذرة في الرمال الساخنة بالقرب من النار حتى تنفجر حباته.
وتعكس تسمية الفشار نفسها طبيعته، إذ تشير إلى "الذرة التي تنفجر" عند تعرّضها للحرارة.
أدلة أثرية تعود لآلاف السنين
عثر علماء الآثار على حبوب فشار يعود عمرها إلى نحو أربعة آلاف عام، ما يعزز الاعتقاد بأن هذه الوجبة كانت جزءًا من النظام الغذائي للسكان الأصليين منذ العصور القديمة.
وقد أبدع هؤلاء في تنويع طرق تحضيره، سواء بوضع كوز الذرة كاملًا في زيت ساخن، أو تعليق الحبوب في شباك فوق النار، أو دهن الكوز بالزيت وتقليبه فوق الرمال الساخنة.
من أمريكا إلى أوروبا والعالم
وصل الفشار إلى أوروبا في عام 1630، حين قدمه أحد زعماء السكان الأصليين هدية للمستعمرين الإنجليز، ليبدأ بعدها في الانتشار تدريجيًا في العالم القديم.
أما في الولايات المتحدة، فشهد عام 1885 نقطة تحول مهمة، مع اختراع رجل الأعمال تشارلز كريتورز أول آلة محمولة مخصصة لصناعة الفشار، ما ساهم في إنتاجه على نطاق واسع.
وخلال القرن التاسع عشر، أصبح الفشار وجبة شعبية تُباع في الشوارع والمعارض وحول خيام السيرك، قبل أن يشهد ذروة انتشاره خلال عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين، في فترة الكساد الكبير، حين لجأت دور السينما إلى بيعه كمصدر ربح منخفض التكلفة.
ومنذ ذلك الحين، ارتبط الفشار ارتباطًا وثيقًا بشاشات السينما، ليصبح جزءًا لا يتجزأ من تجربة المشاهدة.
أصل الذرة وبدايات الزراعة
يجمع الباحثون على أن أصل الذرة يعود إلى السكان الأصليين في أمريكا الشمالية، وتحديدًا في منطقة المكسيك الحالية، حيث تم تدجين نبات بري يُعرف باسم "تيوسينت" عبر آلاف السنين من الزراعة الانتقائية.
وتشير الأدلة إلى وجود زراعة منظمة للذرة منذ أكثر من آلاف السنين، ومنها انتشرت إلى مختلف أنحاء القارتين الأمريكيتين.
كما عثر العلماء في بيرو على بقايا حبوب محترقة من ذرة الفشار يقدّر عمرها بنحو 6700 عام، ما يعكس قِدم هذه الوجبة مقارنة بتاريخ الزراعة نفسها.
فشار الأمس وفشار اليوم
ويرجّح الخبراء أن الفشار القديم كان مختلفًا كثيرًا عن شكله الحالي، إذ كان يُحضّر دون ملح أو زبدة، نظرًا لعدم وجود الأبقار في الأمريكتين آنذاك، كما كان أقل طراوة وأكثر صلابة.
أما اليوم، فقد تنوعت طرق تحضيره بين الميكروويف والمقلاة والآلات المنزلية، وتعددت نكهاته من الزبدة والجبن إلى البهارات والحلويات، ليبقى الفشار شاهدًا حيًا على رحلة طويلة بدأت بالنار الأولى وانتهت في قلب الثقافة الحديثة.
