جرينلاند في «دافوس 2026»… من هامش الجغرافيا إلى قلب الصراع الجيوسياسي العالمي
لم تعد جرينلاند مجرد مساحة جليدية نائية على أطراف الخرائط، بل تحولت إلى واحدة من أكثر بؤر التوتر الجيوسياسي حساسية في العالم، بعدما أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عزمه طرح ملف الجزيرة على جدول أعمال منتدى «دافوس 2026» الاقتصادي العالمي، في خطوة أعادت تعريف المنتدى من منصة اقتصادية إلى ساحة مواجهة دبلوماسية وأمنية مفتوحة.
من منتدى اقتصادي إلى قمة دبلوماسية طارئة
بحسب تقارير لصحف أمريكية وأوروبية، فإن إدراج ملف جرينلاند على أجندة دافوس حوّل الاجتماع السنوي للنخبة الاقتصادية العالمية إلى ما يشبه قمة سياسية طارئة، مع حديث عن اجتماع ثلاثي أو موسع يضم أطرافًا أطلسية لبحث «مستقبل الجزيرة».
ووفقًا لصحيفة «واشنطن بوست»، فإن مطالب ترامب بالسيطرة على جرينلاند دفعت المنتدى إلى لعب دور غير تقليدي، بينما أكدت شبكة «ABC News» أن الرئيس الأمريكي اتفق مع الأمين العام لحلف شمال الأطلسي مارك روته على عقد اجتماع خاص في دافوس يضم «أطرافًا مختلفة» لمناقشة القضية، في إشارة واضحة إلى الطابع الأمني للأزمة.

مقاطعة دنماركية وتصعيد أمريكي
في تطور غير مسبوق، أعلنت الحكومة الدنماركية مقاطعة فعاليات منتدى دافوس، احتجاجًا على ما وصفته بـ«التجاوز الصارخ لسيادتها». وأكد متحدث باسم المنتدى الاقتصادي العالمي أن كوبنهاجن لن تكون ممثلة رسميًا في أعمال المنتدى، في رسالة سياسية قوية ترفض الضغوط الأمريكية.
رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن وصفت تصريحات ترامب بأنها «فصل مظلم» في العلاقات الدولية، مشددة على أن «السيادة والهوية والحدود والديمقراطية غير قابلة للتفاوض». في المقابل، صعّد ترامب من لهجته، ملوحًا بفرض رسوم جمركية بنسبة 10% على ثماني دول أوروبية، من بينها الدنمارك، إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق بحلول الأول من فبراير المقبل.

أوروبا ترد: وحدة في مواجهة الضغوط
أثارت الخطوات الأمريكية ردود فعل أوروبية حادة. رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين وصفت الرسوم الجمركية المحتملة بأنها «خطأ، خصوصًا بين حلفاء منذ فترة طويلة»، متعهدة برد أوروبي «ثابت وموحد ومتناسب».
من جانبه، هاجم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ما اعتبره محاولة أمريكية لإضعاف أوروبا وإخضاعها، مؤكدًا أن «التعاون لا يعني الإذعان أو إلقاء اللوم على الآخرين»، وأن القارة الأوروبية «تفضل الاحترام على منطق الابتزاز».
وفي محاولة لاحتواء الأزمة، أعلن الاتحاد الأوروبي عن خطة «استثمارية أوروبية ضخمة» في جرينلاند، تهدف إلى تعزيز الشراكة الاقتصادية مع الجزيرة ومواجهة النفوذ الأمريكي المتصاعد.
الكنز الاستراتيجي تحت الجليد
تكمن الأهمية الاستراتيجية لجرينلاند في ثلاثة محاور رئيسية: الموقع الجغرافي، والثروات الطبيعية، وطرق الشحن الجديدة.

فالجزيرة تقع في نقطة محورية بين الولايات المتحدة وأوروبا وروسيا، وتُعد جزءًا من «فجوة GIUK» التي تربط جرينلاند وآيسلندا وبريطانيا، وهي ممر بحري بالغ الأهمية لمراقبة التحركات العسكرية الروسية في شمال الأطلسي.
اقتصاديًا، تحتل جرينلاند المرتبة الثامنة عالميًا في احتياطيات المعادن النادرة بنحو 1.5 مليون طن، وفق تقارير دولية، وتضم اثنين من أكبر رواسب المعادن النادرة في العالم: «كفانفيلد» و«تانبريز». كما تحتوي على النفط والغاز والليثيوم والغرافيت واليورانيوم، إضافة إلى 25 من أصل 34 مادة خام حرجة يعتمد عليها الاتحاد الأوروبي.
أما ذوبان الجليد القطبي، فيفتح طرق شحن بحرية جديدة تختصر المسافة بين آسيا وأوروبا بنحو 3000 ميل بحري مقارنة بقناة السويس، مع توفير يصل إلى 50% من تكاليف النقل.
السيادة في مواجهة المصالح
تعكس أزمة جرينلاند صدامًا مباشرًا بين مبدأ السيادة الوطنية والحسابات الجيوسياسية الكبرى. فبينما تتمسك الدنمارك بسيادتها على الجزيرة منذ عام 1814، تربط واشنطن أمنها القومي، بل والأمن العالمي، بالسيطرة على غرينلاند.
ويرى مراقبون أن هذا الصراع يشير إلى تحول أعمق في النظام الدولي، حيث تتراجع قدسية الحدود أمام منطق المصالح الاستراتيجية، ما يفتح الباب أمام سوابق خطيرة في مناطق أخرى من العالم.
صراع الأقطاب الكبرى
برر ترامب مطالبه بالقول إن جرينلاند «حتمية للأمن الوطني والعالمي»، مشيرًا إلى انتشار السفن الروسية والصينية في محيطها. في المقابل، تراقب موسكو وبكين التطورات عن كثب، خصوصًا مع إعلان الصين نفسها «دولة شبه قطبية» عام 2018، وسعيها لتعزيز نفوذها عبر «طريق الحرير القطبي».
ورغم الحماسة السياسية، يحذر خبراء من أن استغلال ثروات جرينلاند لن يكون سهلًا أو سريعًا، في ظل المناخ القاسي، وضعف البنية التحتية، والمعارضة البيئية، فضلًا عن اعتماد العالم شبه الكامل على الصين في معالجة المعادن النادرة.
مستقبل التحالفات على المحك
الاجتماع المرتقب في دافوس يضع مستقبل حلف الناتو والعلاقات عبر الأطلسي أمام اختبار صعب. فالقاعدة الجوية الأمريكية في «ثول» بجرينلاند، التي تضم نظام إنذار مبكر للصواريخ الباليستية، تجعل الجزيرة ركيزة أساسية في منظومة الدفاع الأطلسية.

لكن ممارسة الضغط على دولة عضو في الحلف تهدد بتصدع داخلي غير مسبوق، ما يضع أوروبا أمام خيارين أحلاهما مرّ: القبول بهيمنة أمريكية متزايدة، أو السعي نحو استقلالية استراتيجية مكلفة.
وبينما تتأهب القوى الكبرى لصراع طويل الأمد على جرينلاند، يبقى السؤال مفتوحًا: هل ستصمد الجزيرة أمام إغراءات القوة الاقتصادية والعسكرية، أم أن موقعها سيعيد رسم خريطة التحالفات الدولية؟
ما بدأ كمبادرة أمريكية أحادية، تحوّل إلى اختبار حقيقي لمستقبل النظام العالمي وتوازن القوى بين الحلفاء قبل الخصوم.


