رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري
الجمهور الإخباري
رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري

حكاية أبيدوس الجديدة.. حين يتحوّل الخلود من أسطورة لمشروع دولة في أسوان

ارشيفية
ارشيفية

أسوان ليست مجرد محافظة في أقصى الجنوب، بل نقطة التقاء نادرة بين الزمن والطبيعة والمعنى؛ هنا، حيث تعلّم المصري القديم أن يقرأ حركة الشمس بوصفها وعدًا بالحياة، يعود السؤال ذاته في ثوب معاصر: كيف تتحول الجغرافيا من شاهد على الماضي إلى فاعل في صناعة المستقبل؟

ففي أسوان، لا تبدو التنمية فعلًا تقنيًا باردًا، بل امتدادًا لفلسفة قديمة ترى في الشمس مصدرًا للشرعية، وفي الاستمرارية قيمة عليا. فكما ارتبطت أبيدوس، تاريخيًا، بفكرة البعث والخلود، يرتبط مشروع «أبيدوس 2» اليوم بفكرة أخرى لا تقل عمقًا: استدامة الحياة نفسها، لا بوصفها أسطورة، بل كخيار سياسي واقتصادي وأخلاقي.

مشروعات الطاقة

هنا، تتجاوز مشروعات الطاقة حدود الأرقام والقدرات الإنتاجية، لتصبح تعبيرًا عن وعي الدولة بعلاقتها بالزمن. فالتنمية، في معناها الفلسفي، ليست سباقًا مع الحاضر، بل تفاوضًا مع المستقبل، ومحاولة لعدم استنزاف ما لم يُولد بعد.

ومن هذا المنظور، لا يبدو «أبيدوس 2» مشروعًا للكهرباء فقط، بل بيانًا ضمنيًا عن شكل الدولة التي تريد أن تبقى.

فعلى امتداد الصحراء، حيث اعتاد المصري القديم أن يربط بين الخلود والشمس، يعود اسم «أبيدوس» إلى الواجهة، لا هذه المرة بوصفه موقعًا جنائزيًا أو مركزًا طقسيًا فحسب، بل باعتباره عنوانًا لمعادلة جديدة تجمع بين التاريخ والتنمية، بين قدسية المكان ورهانات المستقبل.

فبينما ظل اسم أبيدوس لعقود مقترنًا ببدايات الدولة المصرية الأولى، أصبح اليوم مرتبطًا أيضًا بأحد أكبر مشروعات الطاقة النظيفة في مصر وأفريقيا: «مشروع أبيدوس 2» للطاقة الشمسية.

هذا التحقيق يحاول تفكيك طبقات هذا الاسم الواحد، الذي يجمع بين مشروعين مختلفين في الجوهر، متكاملين في الدلالة: مشروع أثري يعيد طرح أسئلة التأسيس الأولى، ومشروع تنموي يترجم رؤية الدولة المصرية للانتقال إلى اقتصاد أخضر مستدام.

أبيدوس من الذاكرة الحجرية للجغرافيا الاستراتيجية

لم تكن أبيدوس يومًا مجرد مدينة مندثرة؛ فمنذ أواخر القرن التاسع عشر، كشفت أعمال التنقيب عن كونها الجبانة الملكية الأولى لمصر الموحدة، ومسرح تشكّل فكرة الملكية المقدسة، ومركز عبادة الإله أوزيريس، رمز البعث والشرعية.

غير أن هذه الأهمية التاريخية ظلت، لسنوات طويلة، محصورة في كتب الآثار، بعيدة عن خرائط التنمية الحديثة.

لكن التحول الحقيقي بدأ مع إدراك الدولة المصرية أن الجغرافيا التي حملت فكرة الخلود قد تكون، هي ذاتها، حاضنة لمشروعات المستقبل، خاصة في جنوب مصر، حيث الشمس مورد دائم، والأرض واسعة، والحاجة إلى التنمية أكثر إلحاحًا.

نموذج دولة

في عام 2025، أعلن فوز مشروع «أبيدوس 2» للطاقة الشمسية، الذي تنفذه شركة AMEA Power، بجائزة «الصفقة الأفريقية للعام» ضمن جوائز PFI Awards 2025، وهو تتويج لم يأتِ من فراغ، بل يعكس مسارًا أوسع تتبناه الدولة المصرية في إدارة ملف الطاقة والتنمية.

المشروع، الواقع في محافظة أسوان، يُعد من أضخم مشروعات الطاقة الشمسية في المنطقة، بقدرة 1,000 ميجاوات من الطاقة الشمسية الكهروضوئية، مدعومة بأنظمة تخزين طاقة بالبطاريات بقدرة 600 ميجاوات/ساعة، في نموذج تقني متقدم يعزز استقرار وكفاءة الشبكة القومية للكهرباء.

ووفق البيانات الرسمية، من المتوقع أن يوفر المشروع أكثر من 3 ملايين ميجاوات/ساعة سنويًا من الكهرباء النظيفة، بما يكفي لتلبية احتياجات أكثر من 500 ألف أسرة، مع خفض كبير في انبعاثات ثاني أكسيد الكربون.

تصريحات رانيا المشاط

في تصريحاتها عقب فوز المشروع بالجائزة الدولية، أكدت الدكتورة رانيا المشاط، وزيرة التخطيط والتنمية الاقتصادية والتعاون الدولي، أن هذا الإنجاز يعكس نجاح برنامج «نُوفّي» كنموذج وطني لتنسيق الجهود بين الحكومة والقطاع الخاص ومؤسسات التمويل الدولية.

وترى «المشاط» أن القيمة الحقيقية للمشروع لا تكمن فقط في قدرته الإنتاجية، بل في كونه جزءًا من منظومة أشمل لحشد التمويلات المناخية الميسرة، وتوجيهها إلى مشروعات ذات أولوية استراتيجية، تدعم الانتقال العادل إلى الاقتصاد الأخضر، وتعزز أمن الطاقة، وتخدم أهداف رؤية مصر 2030.

هذا الطرح يعكس تحولًا جوهريًا في فلسفة التخطيط: من مشروعات منفصلة إلى منصات تكاملية، حيث تصبح الطاقة، والتنمية، والاستثمار، والتمويل الدولي، حلقات في سلسلة واحدة.

شراكة لا رفاهية

أحد الأبعاد اللافتة في «أبيدوس 2» هو نموذج التمويل؛ إذ يشارك صندوق أوبك للتنمية الدولية (OPEC Fund) في تمويل المشروع من خلال قرض بقيمة 37 مليون دولار أمريكي، في إطار شراكة تنموية تستهدف تحفيز استثمارات القطاع الخاص في مشروعات الطاقة النظيفة.

وتشير وزارة التخطيط إلى أن الإصلاحات الهيكلية والتنظيمية التي نُفذت منذ عام 2014 فتحت المجال أمام مشاركة أوسع للقطاع الخاص، وهو ما شجع مؤسسات التمويل الدولية على ضخ استثمارات طويلة الأجل في قطاع الطاقة المتجددة.

في هذا السياق، لم يعد التمويل مجرد أداة، بل رسالة ثقة في استقرار السياسات، وقدرة الدولة على إدارة مشروعات كبرى وفق معايير دولية.

من أبيدوس الأثرية لأبيدوس التنموية

المفارقة اللافتة أن اسم «أبيدوس»، الذي ارتبط في الوعي الجمعي بالموت والبعث، أصبح اليوم رمزًا لمستقبل الطاقة والحياة. فكما كانت الشمس محور العقيدة المصرية القديمة، تعود اليوم لتكون محور التنمية الحديثة.

وهنا يطرح «أبيدوس 2» سؤالًا أعمق من مجرد أرقام وقدرات: هل تنجح الدولة المصرية في تحويل رمزية المكان إلى قيمة اقتصادية وتنموية مستدامة؟ وهل يصبح صعيد مصر، الذي طالما عانى من فجوات التنمية، مركزًا رئيسيًا لمشروعات الطاقة النظيفة في المنطقة؟

مشروع واحد ودلالتان

فبين مشروع أثري يعيد تفكيك بدايات الدولة المصرية، ومشروع طاقة يعيد رسم خريطة المستقبل، يقف اسم «أبيدوس» شاهدًا على قدرة المكان على التحول عبر الزمن.

ففوز «أبيدوس 2» بجائزة دولية ليس مجرد إنجاز تقني، بل إشارة إلى مسار تنموي تحاول الدولة ترسيخه؛ مسار يرى في الطاقة النظيفة أداة للسيادة، وفي الشراكة وسيلة، وفي التخطيط طويل المدى ضمانة للاستدامة؛ هكذا، تخرج أبيدوس من كتب التاريخ، لتدخل معادلة التنمية، لا كذكرى، بل كرهان على المستقبل.

وفي النهاية تبقى أسوان شاهد  على تعايشت الحضارات مع قسوة الطبيعة دون أن تكسرها، ليُعاد تعريف مفهوم القوة من السيطرة على الموارد إلى حسن إدارتها، ومن الاستهلاك إلى التوازن؛ هكذا، يصبح المكان ذاته جزءًا من الخطاب؛ فالشمس التي عبدها المصري القديم، تُستثمر اليوم بعقلانية، لا لتأكيد الخلود الرمزي، بل لضمان استمرارية العيش؛ إنها لحظة نادرة يلتقي فيها التاريخ بالتنمية، لا على سبيل الصدفة، بل بوصفهما مسارين متوازيين لمعنى واحد: أن البقاء ليس في امتلاك الماضي، بل في القدرة على صيانة المستقبل.

تم نسخ الرابط