رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري
الجمهور الإخباري
رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري

من قلب الصحراء.. مدينة غامضة تعيد ترتيب المشهد الاقتصادي في البحر الأحمر

ارشيفية
ارشيفية

محافظة البحر الأحمر ليست مجرد نطاق جغرافي يحتضن مدينة سياحية عالمية، بل مساحة تتقاطع فيها أسئلة التنمية مع ضرورات الحفاظ على البيئة، وحيث يصبح التخطيط الواعي فعلًا حضاريًا يوازن بين الإنسان والمكان.

ومن قلب هذه الرؤية، تبرز مدينة الحرفيين بالغردقة بوصفها تعبيرًا فلسفيًا عن معنى التنمية الحديثة؛ تنمية لا تكتفي بإقامة المشروعات، بل تعيد تنظيم الحياة الاقتصادية والاجتماعية، وتمنح الحرفة موقعها اللائق بعيدًا عن العشوائية، في إطار يحفظ للمدينة هويتها السياحية ويصون بيئتها للأجيال القادمة.

مشروع يتجاوز البناء

بدأت القصة مع إنشاء مدينة الحرفيين فيما لم يكن الهدف نقل الورش من موقع إلى آخر فحسب، بل جاء كجزء من إعادة هيكلة شاملة لمدينة الغردقة، تضع في الاعتبار التوازن بين السياحة والصناعة والحياة اليومية للمواطنين؛ فالغردقة بوصفها إحدى أهم المدن السياحية في مصر، كانت بحاجة إلى نموذج تنموي يمنح الحرفيين مساحة للعمل دون أن يؤثر ذلك على المشهد الحضاري والبيئي للمدينة.

ومن هنا، تم التخطيط لمدينة حرفية صديقة للبيئة، تُخرج الأنشطة الصناعية من قلب المناطق السكنية والسياحية، وتعيد توزيع الوظائف العمرانية بشكل أكثر كفاءة واستدامة.

خطوة أولى بالمسار

شهدت المحافظة افتتاح المرحلة الأولى من مدينة الحرفيين بتكلفة بلغت 150 مليون جنيه، ضمن احتفالات البحر الأحمر بعيدها القومي التاسع والأربعين، وهي مرحلة تمثل نواة مشروع ضخم تصل تكلفته الإجمالية إلى نحو 500 مليون جنيه.

وتضم هذه المرحلة 460 وحدة متنوعة ما بين وحدات حرفية وصناعية وتجارية وإدارية، صُممت جميعها وفق معايير حديثة تراعي سهولة التشغيل، ومتطلبات السلامة، والبعد البيئي، لتكون نموذجًا عمليًا لكيفية توظيف الاستثمار العام في خدمة التنمية المحلية.

بنية تحتية تُخاطب المستقبل

يمتد المشروع على مساحة تُقدّر بنحو 300 ألف متر مربع، ضمن إجمالي مساحة تبلغ 60 فدانًا، ويقع في موقع استراتيجي على محور رئيسي يسهل الوصول إليه. لكن الأهم من المساحة والموقع هو الفلسفة التي حَكمت تصميم المدينة، حيث لم تُنشأ الورش بمعزل عن الخدمات، بل جاءت ضمن مجتمع متكامل يضم: مجمعات حرفية وصناعية منظمة، معارض عرض وتسويق على الواجهات، ومحال تجارية، ومناطق خدمية وترفيهية، بالاضافة إلى مساحات خضراء ومناطق انتظار، ومرافق ترفيهية للأسر والأطفال.

هذا التكامل يعكس فهمًا عميقًا للتنمية بوصفها تحسينًا لنمط الحياة وليس مجرد توفير أماكن عمل.

فرص عمل وقيمة مضافة

تُعد مدينة الحرفيين رافدًا أساسيًا لدعم الاقتصاد المحلي بمحافظة البحر الأحمر، إذ يُتوقع أن تسهم في توفير مئات فرص العمل المباشرة وغير المباشرة، وتحسين دخل الحرفيين، ودمجهم في منظومة اقتصادية منظمة بديلة للاقتصاد العشوائي.

كما تسهم المدينة في إضافة قيمة مضافة للقطاع السياحي، من خلال توطين صناعات وخدمات تخدم الفنادق والمنشآت السياحية، مثل الصناعات الحرفية، والأثاث، وأعمال الصيانة، والمنتجات اليدوية، ما يقلل الاعتماد على الاستيراد ويرفع كفاءة الخدمات المقدمة للسائح.

تنمية بلا تلوث

يُعد البعد البيئي أحد الركائز الأساسية للمشروع، حيث تم تصميم مدينة الحرفيين لتكون أول مدينة حرفية صديقة للبيئة بمحافظة البحر الأحمر، من خلال: تقليل مصادر التلوث داخل المدينة السياحية، وكذا تنظيم الأنشطة الصناعية في نطاق محدد، والالتزام بالمعايير البيئية في البناء والتشغيل، بالاضافة إلى الحفاظ على الطابع الجمالي للغردقة.

وهو ما يعكس إدراك الدولة بأن التنمية المستدامة لا تنفصل عن حماية البيئة، خاصة في المدن الساحلية ذات الحساسية البيئية العالية.

تنمية متوازنة لا تهميش فيها

وفي هذا الإطار، أكد اللواء عمرو حنفي، محافظ البحر الأحمر، أن مدينة الحرفيين تمثل نموذجًا تنمويًا متكاملًا يحقق التوازن بين الصناعة والسياحة، ويوفر بنية تحتية حديثة تسهم في تحسين جودة الحياة للمواطنين والزوار.

وأشار المحافظ إلى أن المشروع يأتي ضمن توجه الدولة نحو تنمية المدن السياحية دون الإخلال بهويتها، وتخفيف الضغط العمراني والصناعي عن مدينة الغردقة، وتحويلها إلى مدينة حضارية جاذبة للاستثمار والسياحة في آن واحد، موضحًا أن إجمالي تكلفة المشروع بلغ نحو 350 مليون جنيه حتى الآن، في إطار خطة شاملة للتنمية المستدامة.

نموذج قابل للتكرار

لا تقتصر أهمية المشروع على الغردقة وحدها، بل تمتد كنموذج قابل للتطبيق في مدن سياحية أخرى، حيث يُقدّم تصورًا عمليًا لكيفية دمج التنمية الاقتصادية مع التخطيط الحضري والاعتبارات البيئية، دون التضحية بأي منها.

رؤية جديدة للتنمية

في النهاية، تُجسد مدينة الحرفيين بالغردقة رؤية جديدة للتنمية، لا ترى في المشروعات أرقامًا أو مباني، بل أدوات لإعادة تنظيم الحياة، وحماية البيئة، وخلق فرص كريمة للعمل، وبناء مدن أكثر إنسانية واستدامة؛ إنها تنمية تبدأ من الحرفة، لكنها تنتهي عند مستقبل مدينة كاملة.

فلم تعد التنمية في المفهوم الحديث مجرد توسع عمراني أو زيادة في عدد المشروعات، بل أصبحت عملية متكاملة تعيد صياغة العلاقة بين الإنسان والمكان والاقتصاد والبيئة. 

تم نسخ الرابط