بين البيانات والواقع.. ربع ألبان مصر مهددة بالحمى القلاعية ( خاص)
في قرية إبشواي الملق التابعة لمركز قطور بمحافظة الغربية، لا يقتصر الحضور على الجغرافيا وحدها، بل يمتد إلى قلب الاقتصاد القومي، إذ يخرج من هذا النطاق المحدود نحو 25% من إجمالي إنتاج الألبان في مصر، في نموذج إنتاجي يعتمد عليه آلاف من الأهالي كمصدر رئيسي للرزق، وتمثل تربية الماشية وإنتاج الألبان النشاط الاقتصادي الأهم داخل القرية، والمهنة المتوارثة عبر أجيال متعاقبة، بما يجعل إبشواي الملق واحدة من أهم قلاع الثروة الحيوانية على مستوى الجمهورية.
ووفقًا لبيان صادر عن محافظة الغربية، وعلى إثر زيارة اللواء أشرف الجندي محافظ الغربية، يرافقه المهندس عبد السلام البغدادي وكيل وزارة الزراعة بالغربية، بتاريخ 8 يناير 2026، جرى تفقد منظومة إنتاج وتجميع الألبان، والجمعية التعاونية لتنمية الثروة الحيوانية بالقرية.
وأشار البيان إلى أن القرية تضم ما يقرب من 250 ألف رأس ماشية، وأنها تمثل القلب النابض لمنظومة إنتاج الألبان بالمحافظة، وتسهم وحدها بنحو ربع الإنتاج القومي، في ظل منظومة متكاملة تعتمد على جهود الأهالي والعمل المستمر.

غير أن المشهد على أرض الواقع، بحسب شهادات الأهالي، يبدو أكثر تعقيدًا من الصورة التي عكسها البيان الرسمي، إذ يشكو عدد غير قليل من المربين من انتشار مرض الحمى القلاعية بين الماشية، وهو مرض فيروسي شديد العدوى، ينتقل عبر عدة وسائل، وتظهر أعراضه في صورة تقرحات بالفم والأظلاف، مصحوبة بحالات نفوق ملحوظة، ما يشكل تهديدًا مباشرًا لمصدر الدخل الأساسي للأسر، في قرية يقوم اقتصادها بالكامل تقريبًا على الثروة الحيوانية.
وفي محاولة للوقوف على حقيقة الوضع، جرى التواصل مع السيد وزير الزراعة الدكتور علاء فاروق، مع عرض صور ومقاطع توثق نفوق عدد من الحيوانات، وعلى إثر ذلك وجّه الوزير الدكتور حامد الأقنص رئيس الهيئة العامة للخدمات البيطرية بمتابعة الأمر.
وخلال حديث معه، تم نقل شكاوى الأهالي بشأن انتشار الحمى القلاعية، وعدم فاعلية الأمصال المستخدمة، وفق ما أكده المربون استنادًا إلى إصابة مواشيهم رغم التحصين، من جانبه، نفى الدكتور حامد الأقنص وجود انتشار للمرض، مؤكدًا أن الحمى القلاعية في مصر تحت السيطرة، وأن ما يحدث يتم التعامل معه وفق البروتوكولات المعتمدة، مشيرًا إلى أن الجهات المختصة قامت بما يمكن فعله في مثل هذه الحالات، بناءً على تعليمات وزير الزراعة.
إلا أن ما أثار تساؤلات أوسع، كان ما جرى لاحقًا خلال عمل لجنة مديرية الطب البيطري، والتي ضمت عددًا من الأطباء من أبناء القرية نفسها، إذ أُرسلت صور وتقارير إلى السيد وزير الزراعة ورئيس الهيئة العامة للخدمات البيطرية، تفيد بعدم وجود حمى قلاعية داخل القرية.

غير أن الأهالي يؤكدون أن اللجنة لم تنفذ التوجيهات الصادرة بالكامل، ولم تنتقل إلى المزارع التي سجلت حالات إصابة ونفوق، واكتفت بزيارة بعض الأماكن الواقعة على أطراف القرية، وتصوير الترع والمصارف التي لا توجد بها حالات نافقة، في حين تتوافر - بحسب الأهالي - صور موثقة لحيوانات نافقة نتيجة الإصابة بالمرض، إلى جانب إصابات ظاهرة لدى عدد غير قليل من المربين.
وتكمن خطورة الأمر، بحسب مختصين، في أن الحمى القلاعية لا تقتصر آثارها على نفوق الماشية فقط، بل تمتد إلى التأثير المباشر على إنتاج الألبان، من حيث الكمية والجودة، ما يجعل إعلان خلو القرية من المرض دون تحقق ميداني شامل مسألة بالغة الحساسية، كما أن التخلص غير الآمن من الحيوانات النافقة، عبر إلقائها في مصارف الري أو الصرف الصحي، يفاقم من انتشار المرض، كونه مرضًا فيروسيًا سريع الانتقال، ويحول المشكلة من خسائر فردية إلى خطر صحي واقتصادي أوسع.

وفي هذا السياق، تبرز أهمية الطب الوقائي البيطري، ليس فقط في التحصين، وإنما في الرصد المبكر، والاستجابة السريعة، والتعامل الآمن مع حالات النفوق، وفق المعايير المعتمدة، فغياب هذه الإجراءات، أو التعامل معها بشكل شكلي، لا يهدد فقط حياة المربين ومصدر رزقهم، بل يضع قطاع الثروة الحيوانية - الذي تسعى الدولة إلى تنميته باعتباره أحد أعمدة الأمن الغذائي - أمام مخاطر حقيقية، قد تمتد آثارها إلى ملايين المواطنين.
وبين البيانات الرسمية، وشهادات الأهالي، والصور المتداولة، تبقى الأسئلة مطروحة حول آليات التعامل مع مرض موسمي يتكرر ظهوره سنويًا، وحول مدى كفاية الإجراءات المتبعة، وضرورة الشفافية الكاملة في التعامل مع واقع يمس اقتصاد قرية كاملة، ويساهم بشكل مباشر في غذاء المصريين.