بين الحجر والماء.. لغز سور مجرى العيون الذي خلد العصور
محافظة القاهرة، قلب مصر النابض بتاريخها العريق وحضارتها الممتدة عبر القرون، تستحضر اليوم عبق الماضي في سور مجرى العيون، لتروي قصة الإنسان وإبداعه في التحكم في الطبيعة وتوجيهها.
فكما يسعى الإنسان دومًا إلى تنظيم حياته بين واجباته وطموحاته، سعى القدماء إلى تنظيم الماء والحياة حوله، ليصبح السور ليس مجرد بنية حجرية، بل رمزًا للتوازن بين الحكمة والمعرفة، بين الحاجة والابتكار، بين الماضي والحاضر.

سور مجرى العيون
وفي ذلك الصدد يعد سور مجرى العيون أحد أبرز الآثار الإسلامية التاريخية في مدينة القاهرة، وواحدًا من أعظم مشاريع الري والهندسة المعمارية في العصر المملوكي، لما يمثله من قيمة تاريخية وجغرافية وعمرانية منذ إنشائه قبل أكثر من 600 عام.
ويمتد السور لمسافة تصل إلى 3.5 كيلومترات تقريبًا، من منطقة فم الخليج وصولًا إلى منطقة باب القرافة بالسيدة عائشة، وكان الغرض الأساسي من إنشائه نقل المياه إلى قلعة صلاح الدين الأيوبي والمناطق المحيطة بها، ليشكل بذلك نظامًا متكاملًا للري وتدفق المياه عبر القنوات والسواقي.
هندسة متقدمة في نقل المياه
يتميز سور مجرى العيون بفكرة هندسية مبتكرة، حيث كان يعتمد على ساقية عملاقة تسحب المياه من النيل وتصُبها في قناة أعلى السور عند منطقة فم الخليج، لتتحرك المياه بسلاسة عبر القناة حتى تصل إلى القلعة.
ويعود سر استمرارية تدفق المياه إلى الارتفاع التدريجي للسور، حيث يكون مرتفعًا عند نقطة بداية الساقية قرب النيل، ثم ينخفض تدريجيًا حتى الوصول إلى القلعة، ما يضمن انسيابية تدفق المياه دون انقطاع، طالما استمرت الساقية في العمل.

ويصف خبراء الآثار سور مجرى العيون بأنه أحد أعظم مشاريع الري التي شُيدت في العالم في ذلك العصر، ويعتبر دليلًا على عظمة وابتكار فنون العمارة الإسلامية والمملوكية.
تاريخ السور وتطويره عبر العصور
تُشير المصادر التاريخية إلى أن السور أُنشئ في عهد السلطان قنصورة الغوري منذ أكثر من 500 عام، لكنه يعود أصلاً إلى عصر صلاح الدين الأيوبي مؤسس الدولة الأيوبية، الذي حكم مصر في الفترة من 1169 حتى 1193، حين تم تشييده لنقل المياه من القنوات والسواقي إلى القلعة.
وفي وقت لاحق، قام السلطان محمد بن قلاوون بتجديد السور بالكامل عام 1312م على مرحلتين، حيث تم إنشاء أربع سواقٍ على ضفاف النيل في منطقة فم الخليج، لتعزيز نظام تدفق المياه. وفي عهد السلطان الغوري تم إنشاء ست سواقٍ بالقرب من منطقة السيدة نفيسة لتقوية تيار المياه الذي يصل إلى آبار القلعة.

ويحتوي السور على برج المأخذ الذي يضم ستة سواقي، وينقسم إلى عدة عقود تعرف باسم عقود السواقي، وهي المسؤولة عن حمل القناة المائية وضمان وصول المياه بسلاسة إلى الوجهة المطلوبة.
الطراز المعماري ومواد البناء
وأوضح الدكتور نادر عبد العليم، أستاذ الآثار الإسلامية بجامعة عين شمس، أن السور يتميز بمساحته الواسعة وطرازه المعماري الفريد، حيث استُخدم فيه حجر "النحيت" في البناء، وهو أحد أبرز أشكال العمارة الإسلامية التقليدية، ما يمنحه صلابة ومتانة استمرت عبر القرون.
ويعتبر السور رمزًا للمعمار الإسلامي المملوكي وواحدًا من المشاريع الهندسية التي تعكس مستوى الابتكار والتخطيط الدقيق في العصور الإسلامية، خاصة فيما يتعلق بنقل المياه وإدارة الموارد الطبيعية بكفاءة عالية.

تطوير السور وتحويله إلى وجهة سياحية
أكد الدكتور عبد العليم أن وزارة الآثار والسياحة، بالتعاون مع محافظ القاهرة، تعمل على تطوير هذه المنطقة لإحياء السور بعد أن تعرضت أجزاء منه للتعديات والمخالفات، حيث كان المكان محاطًا بالنفايات وحظائر للحيوانات.
وتتضمن خطة التطوير ترميم الأجزاء المهدمة وإحياء السواقي الأصلية، مع استخدام الإضاءة بالليزر لإبراز جماليات التصميم التاريخي، وإقامة حدائق عامة ومطاعم ومحلات للحرف اليدوية، بالإضافة إلى قاعات للعروض الثقافية والحفلات التراثية، لتحويل المنطقة إلى وجهة سياحية وثقافية جديدة داخل القاهرة.
وتعكس هذه المبادرة حرص الدولة على دمج التراث بالأنشطة الحديثة، بما يتيح للمواطنين والزوار استكشاف التاريخ الإسلامي في بيئة حضرية جذابة، وتوفير فرص للثقافة والفنون والحرف التقليدية في قلب العاصمة.

إرث تاريخي يستمر عبر الزمن
ليظل سور مجرى العيون شاهدًا على عبقرية العمارة والهندسة في العصر الإسلامي، ويجسد القدرة على توظيف الموارد الطبيعية بحكمة وابتكار؛ كما يمثل هذا المشروع التاريخي قاعدة صلبة لتطوير وتنظيم الحركة المرورية والخدمات في المناطق المحيطة، بما يسهم في تحسين جودة الحياة وإبراز القاهرة كمدينة تجمع بين التاريخ والحضارة الحديثة.
وفي النهاية تطوير هذا الأثر التاريخي اليوم يمثل رحلة فلسفية في إدراك أن كل حجر يحكي قصة، وكل قناة للمياه تحمل درسًا عن الصبر والمثابرة، وأن الحضارة الحقيقية تُقاس بقدرتها على الاستمرار والتجدد مع مرور الزمن.



