على صفيح ساخن.. خبيرة تحذر من تصاعد التوترات العسكرية في شرق آسيا|خاص
تشهد منطقة شرق آسيا حالة متصاعدة من التوترات العسكرية والسياسية، في ظل تحركات صينية متزايدة حول تايوان، واحتكاكات مستمرة في بحر الصين الجنوبي، إلى جانب سباق تسلح متسارع تشارك فيه اليابان والكوريتان.
وتأتي هذه التطورات في وقت تنشغل فيه الولايات المتحدة بإدارة أزمات دولية معقدة في أوكرانيا وغزة، الأمر الذي يثير التساؤلات حول مستقبل الردع الأمريكي، وإمكانية انزلاق المنطقة إلى مواجهات أوسع قد تعيد تشكيل موازين القوة الإقليمية والدولية.

التصعيد العسكري الصيني حول تايوان
وفي هذا الصدد، قالت خبيرة في شؤون شرق آسيا، ناتاليا بلاكسيينكو-بوتيرسكا، إن التصعيد العسكري الصيني حول تايوان لم يعد مجرد تحركات عابرة، بل بات يتسم بطابع منتظم ومستمر، خاصة منذ زيارة رئيسة مجلس النواب الأمريكي السابقة، نانسي بيلوسي للجزيرة، ومع تولي الرئيس ويليام لاي السلطة، الذي تصفه بكين بـ«الانفصالي».
وأوضحت في تصريح خاص لموقع "الجمهور الإخباري"، أن هذه التحركات يمكن تفسيرها من زاويتين؛ الأولى أنها أداة ضغط وردع سياسي تهدف إلى تخويف السلطات التايوانية ومنعها من اتخاذ خطوات قد تقود إلى إعلان الاستقلال، بينما تشير الزاوية الثانية إلى أن الصين قد تكون بصدد التدريب العملي على سيناريوهات أكثر خطورة، مثل فرض حصار على الجزيرة تمهيدًا للسيطرة عليها عسكريًا.
وأكدت أن القيادة الصينية لا تخفي استعدادها لاستخدام القوة العسكرية ضد الجزيرة، وهو ما يجعل المناورات العسكرية الواسعة مؤشرًا مقلقًا على احتمالات التصعيد الفعلي للسيطرة على تايوان.

الولايات المتحدة بين تعدد الجبهات وتآكل الردع
وفيما يتعلق بتأثير انخراط الولايات المتحدة في الحربين الدائرتين في أوكرانيا وغزة، أشارت بلاكسيينكو-بوتيرسكا إلى أن استراتيجية الأمن القومي الأمريكية الجديدة تؤكد أن منطقة المحيطين الهندي والهادئ لا تزال أولوية، إلى جانب نصف الكرة الغربي، في حين تسند إلى أوروبا والشرق الأوسط مسؤوليات أكبر في إدارة أمنهما الإقليمي.
وأضافت أن الخطاب الأمريكي تجاه الصين أصبح أقل تصعيدًا، حيث تُصنف بكين في الأساس، كمنافس اقتصادي وتكنولوجي، وهو ما يعكس رغبة لدى إدارة الرئيس دونالد ترامب، في إدارة العلاقة مع الصين بحذر وتجنب المواجهة العسكرية المباشرة، رغم استمرار محاولات الحفاظ على الردع في شرق آسيا.
بحر الصين الجنوبي.. مناوشات قابلة للاشتعال
وحذرت الخبيرة من أن بحر الصين الجنوبي يمثل بؤرة توتر لا تقل خطورة، موضحة أنه رغم اعتبار قضية تايوان الخطر الأمني الأكبر في آسيا والمحيط الهادئ، فإن الاشتباكات بين القوات الصينية والجيش الفلبيني وخفر السواحل تحدث بشكل متكرر.
وأشارت إلى أن الصين تنتهج سياسة عدوانية تجاه جيرانها في المنطقة، في إطار سعيها لفرض الهيمنة على الممرات المائية، لافتة إلى أن هذه الاشتباكات ظلت حتى الآن في نطاق مناوشات محدودة، لكنها تحمل في طياتها خطر التحول إلى مواجهة أوسع حال وقوع خطأ في الحسابات أو استخدام غير محسوب للقوة، مستشهدة بتجارب تاريخية بدأت بصدامات صغيرة وانتهت بحروب كبرى.
التقارب الروسي–الصيني.. تحالف أم تقاطع مصالح؟
وبشأن التقارب المتزايد بين موسكو وبكين، رأت ناتاليا بلاكسيينكو-بوتيرسكا، أن الطرفين يشتركان في هدف استراتيجي يتمثل في تقويض النظام الدولي القائم على النموذج الغربي، وهو ما يفسر حجم التقارب الذي برز بوضوح خلال الحرب الروسية–الأوكرانية، حيث تبنت الصين موقفًا وصفته بالحياد المائل لصالح روسيا.
وأكدت أن التعاون العسكري–التقني بين البلدين، إلى جانب نفوذهما المشترك على كوريا الشمالية، يسهم في إضعاف الاستقرار الأمني في شرق آسيا، خاصة مع تنامي المخاوف لدى اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان من توجه السياسة الأمريكية نحو علاقات أكثر براغماتية وصفقاتية مع حلفائها.
وفي الوقت ذاته، نوهت أن هذا التقارب ليس بلا حدود، إذ تحكمه درجة من عدم الثقة المتبادلة تعود إلى خلفيات تاريخية، مشيرة إلى أن الصين تتابع عن كثب مسار المفاوضات بين واشنطن وموسكو، وتسعى إلى منع أي عودة روسية إلى الفلك الغربي، لما لذلك من تأثير سلبي مباشر على النفوذ الصيني.
سباق التسلح وبؤر الانفجار المحتملة
أما بالنسبة لسباق التسلح المتنامي في شرق آسيا، لا سيما بين اليابان والكوريتين، فرأت الخبيرة أن هناك عدة بؤر خطيرة، تأتي في مقدمتها تايوان، مشيرة إلى أن الصين تراقب عن كثب مآلات الحرب الروسية الأوكرانية، وترى في مسارها مؤشرًا مهمًا على حدود رد الفعل الغربي.
وأشارت إلى أن ما يُنظر إليه على أنه ضعف في الموقف الغربي، واستعداد لإنهاء الصراع عبر تقديم تنازلات للرئيس الروسي فلاديمير بوتين، قد يشجع بكين على اعتبار الوقت مناسبًا للتحرك عسكريًا تجاه تايوان.
تصاعد التهديدات المحيطة باليابان
وتحدثت عن تصاعد التهديدات المحيطة باليابان، خاصة في ظل تزايد المطالبات الصينية بالسيادة على جزر سينكاكو، منوهة أن هذا قد يرفع من احتمالات الاحتكاك العسكري بين الجانبين، لا سيما مع تنامي القدرات العسكرية في المنطقة.
صندوق باندورا
كما أشارت الخبيرة بشؤون شرق آسيا، إلى أن التعاون العسكري–التقني المتنامي بين الصين وروسيا، إلى جانب اكتساب كوريا الشمالية خبرات قتالية من الحرب الدائرة في أوكرانيا، يسهم في تعقيد المشهد الأمني، ويزيد من مخاطر التوتر العسكري في شبه الجزيرة الكورية.
وفي ختام حديثها، حذرت من فتح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، «صندوق باندورا»، منبهة من أن العالم بات أكثر عرضة لتفجير صراعات جديدة أو إعادة إشعال نزاعات قائمة، في ظل غياب آليات ردع فعالة، وتراجع احترام القانون الدولي، وضعف دور المؤسسات الدولية في احتواء الأزمات.




