رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري
الجمهور الإخباري
رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري

حياة جديدة على ضفاف الفيوم.. مركز يخفي وراء جدرانه أمل المرضى

صورة أرشيفية
صورة أرشيفية

الفيوم، تلك المحافظة التي تختزن في جغرافيتها البساطة والعمق معًا، تقف اليوم شاهدًا على معنى أعمق لدور الدولة حين يتحول الاهتمام بالصحة من شعار إلى فعل؛ فحين تُقاس قيمة التنمية بقدرتها على حماية الإنسان في لحظات ضعفه، يصبح الاستثمار في علاج المرضى تعبيرًا صادقًا عن مسؤولية الدولة تجاه مواطنيها، لا سيما أولئك الذين ترتبط حياتهم بعلاج منتظم لا يحتمل التأجيل.

وفي هذا السياق، لا يجيء تطوير الخدمات الصحية باعتباره إجراءً إداريًا أو توسعًا في المباني، بل كامتداد لفلسفة ترى في المريض محورًا لأي نهضة حقيقية؛ من هنا، تبرز أهمية ما تشهده الفيوم من خطوات جادة لدعم مرضى الفشل الكلوي، حيث تتجسد رعاية الدولة في توفير العلاج الآمن، وتخفيف المعاناة اليومية، وترسيخ حق المواطن في حياة كريمة، يكون فيها الأمل شريكًا دائمًا للدواء.

الارتقاء بالمنظومة الصحية

ففي إطار الجهود المتواصلة التي تبذلها الدولة للارتقاء بالمنظومة الصحية وتحسين جودة الخدمات الطبية المقدمة للمواطنين، شهدت محافظة الفيوم خطوة مهمة تمثلت في افتتاح مركز علاج أمراض الكلى الجديد بمستشفى الفيوم العام، ليصبح أحد المشروعات الصحية الحيوية التي تمس حياة مئات المرضى بشكل مباشر، خاصة أولئك الذين يعانون من الفشل الكلوي ويحتاجون إلى رعاية دقيقة ومنتظمة على مدار سنوات طويلة.

مساحة أمل

جاء إنشاء مركز علاج أمراض الكلى الجديد على مساحة 850 مترًا مربعًا، وبتكلفة إجمالية بلغت نحو 35 مليون جنيه، ليعكس حجم الاستثمار الذي تم توجيهه لدعم هذا القطاع الحساس؛ فلم يكن الهدف من المشروع مجرد إضافة مبنى جديد إلى المستشفى، بل إنشاء منظومة علاجية متكاملة تراعي احتياجات مرضى الغسيل الكلوي، سواء من حيث التجهيزات الطبية أو البيئة العلاجية أو انتظام الخدمة.

ويمثل المركز الجديد متنفسًا حقيقيًا لمرضى الكلى بمحافظة الفيوم، الذين كانوا يعانون في السابق من الضغط الشديد على وحدات الغسيل، وطول فترات الانتظار، وأحيانًا الاضطرار إلى الانتقال لمحافظات أخرى لتلقي العلاج.

تجهيزات طبية متقدمة

يضم مركز علاج أمراض الكلى الجديد 44 ماكينة غسيل كلوي مزودة بأحدث التقنيات الطبية، في خطوة تستهدف رفع كفاءة الخدمة العلاجية وضمان أمان المرضى؛ ومن بين هذه الأجهزة، تم توفير 6 ماكينات HDF للغسيل الكلوي البطيء عالي الكفاءة، وهي من أكثر الأنظمة تطورًا في مجال علاج الفشل الكلوي.

وقد خُصصت هذه الماكينات المتقدمة للحالات الطبية الحرجة والمعقدة، لا سيما المرضى الذين يعانون من: أمراض القلب، أمراض الكبد، الذبحة الصدرية، أمراض الشرايين التاجية، حالات قصور القلب.

ويعكس هذا التوزيع المدروس للأجهزة حرص إدارة المستشفى ووزارة الصحة على تقديم علاج متوافق مع الحالة الصحية الشاملة لكل مريض، وليس الاكتفاء بإجراءات نمطية قد لا تناسب جميع الحالات.

خدمة حالية وخطة توسع مستقبلية

يخدم المركز حاليًا نحو 191 مريضًا من المترددين بانتظام على مستشفى الفيوم العام، حيث يتم تنظيم جلسات الغسيل الكلوي وفق جداول دقيقة تراعي الحالة الصحية لكل مريض وتضمن انتظام الخدمة دون تكدس أو تأخير.

وبحسب الخطة الموضوعة، من المقرر أن تصل الطاقة الاستيعابية للمركز إلى نحو 240 مريضًا خلال الفترة المقبلة، في ظل التوسع التدريجي في تقديم الخدمة، واستيعاب الزيادة المتوقعة في أعداد مرضى الكلى، خاصة مع ارتباط المرض بأمراض مزمنة شائعة مثل السكري وارتفاع ضغط الدم.

بيئة علاجية تراعي البعد الإنساني

لم يقتصر الاهتمام في إنشاء المركز على توفير الأجهزة الطبية فقط، بل شمل أيضًا تصميم بيئة علاجية إنسانية تليق بمرضى يقضون ساعات طويلة داخل وحدات الغسيل الكلوي؛ وقد روعي في تصميم المركز على توفير مساحات مناسبة لحركة المرضى والطواقم الطبية، وكذا الالتزام الصارم بمعايير مكافحة العدوى، بالاضافة إلى توفير خدمات مساندة تضمن راحة المرضى أثناء جلسات العلاج، وتجهيز المكان بما يسمح بسرعة التدخل الطبي في الحالات الطارئة.

ويُعد هذا الجانب الإنساني عنصرًا أساسيًا في تحسين تجربة المريض النفسية، وهو ما ينعكس إيجابًا على حالته الصحية واستجابته للعلاج.

جولة ميدانية وملاحظات لتحسين الخدمة

وفي سياق متصل، أجرى الدكتور أيمن عباس، وكيل وزارة الصحة الجديد بمحافظة الفيوم، جولة تفقدية بمستشفى الفيوم العام، شملت عددًا من الأقسام الحيوية، على رأسها مبنى مركز علاج الكلى الجديد، إلى جانب غرف الاستقبال (الفرز، الجراحة، العظام، الأطفال)، وقسم الأشعة العادية، ووحدة تفتيت الحصوات.

وخلال الجولة، وجه وكيل الوزارة بعدد من التعليمات لتحسين مستوى الخدمة، من بينها زيادة أعداد عمال النظافة للحفاظ على مستوى عالٍ من النظافة، وكذا التشديد على تنظيم دخول الأهالي مع المرضى، بحيث يُسمح بمرافق واحد فقط لكل مريض، حفاظًا على النظام ومنع التكدس داخل الأقسام.

فيما تأتي هذه التوجيهات في إطار الحرص على رفع كفاءة التشغيل اليومية للمستشفى، وضمان تقديم خدمة طبية لائقة وآمنة للمرضى.

تخفيف العبء عن المرضى وأسرهم

يمثل افتتاح مركز علاج أمراض الكلى الجديد نقلة نوعية لمرضى الفشل الكلوي بمحافظة الفيوم، حيث يسهم بشكل مباشر في تخفيف الضغط عن وحدات الغسيل الكلوي الأخرى، بالإضافة إلى تقليل معاناة الانتقال لمسافات طويلة لتلقي العلاج، وكذا تخفيف الأعباء المادية والنفسية عن المرضى وذويهم، وتحسين جودة الخدمة الطبية داخل المستشفيات الحكومية.

استثمار في الصحة والإنسان

يأتي مركز علاج أمراض الكلى الجديد بمستشفى الفيوم العام ضمن سلسلة من المشروعات الصحية التي تستهدف تطوير البنية التحتية للمستشفيات العامة، وتعزيز قدرتها على تقديم خدمات تخصصية دقيقة، بما يرسخ مبدأ العدالة الصحية، ويؤكد حق المواطن في الحصول على رعاية طبية متكاملة داخل محافظته.

وفي النهاية وفي ظل التحديات الصحية المتزايدة، يبرز هذا المركز كنموذج لما يمكن أن تحققه الاستثمارات المدروسة في القطاع الصحي، حيث لا تتحول الأرقام والتكلفة إلى مبانٍ وأجهزة فقط، بل إلى حياة أكثر استقرارًا وأملًا لمئات المرضى، ممن بات العلاج بالنسبة لهم حقًا مكفولًا، لا رحلة معاناة يومية.

تم نسخ الرابط