رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري
الجمهور الإخباري
رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري

الحلقة 67.. شهادات وذكريات يرويها مصطفى بكري لـ«الجمهور».. أزمة داخل البرلمان

النائب مصطفى بكري
النائب مصطفى بكري

فى 17 فبراير 2012، تصاعدت حدة الانتقادات ضد المشير وأعضاء المجلس الأعلى للقوات المسلحة، ووصلت إلى ذروتها عندما شن «زياد العليمى» عضو مجلس الشعب وعضو ائتلاف شباب الثورة، هجومًا بذيئًا ضد المشير طنطاوى فى ندوة عقدت فى مدينة بورسعيد، حيث قال: «إن جرائم المجلس العسكرى تزيد يومًا بعد يوم، وإنه لن يكون هناك خروج آمن «للمجرمين» بعد اليوم، وإن كل من أخطأ سيلقى عقابه»، وأكد أن المتهم الأساسى فى الجريمة التى وقعت فى بورسعيد ليس مدير الأمن ولا المحافظ ولا وزير الداخلية ولكنه المشير طنطاوى.


وتمنى العليمى أن يحتفل الشعب قريبًا بسقوط المجلس العسكرى الذى قال عنه: «إنه المتسبب الرئيسى فى كارثة بورسعيد، وأدَّعى أن هذا المجلس يسعى إلى تفتيت مصر وتقسيمها وراح يشبه المشير بأوصاف يعف اللسان عن ذكرها».


لم يكن زياد العليمى وحده فى هذه الندوة، إنما كان إلى جواره «نوارة نجم» و«أسماء محفوظ» و«بثينة كامل» والفنان «عمرو واكد» وغيرهم.


لقد أثارت هذه الادعاءات حالة شديدة من الغضب فى الشارع المصرى، وفى أوساط جميع العسكريين، بعدها أجرى برنامج «محطة مصرية» على فضائية «مودرن حرية» اتصالًا هاتفيًا بالنائب «زياد العليمى» حول أسباب واقعة سبه المشير بأوصاف يعاقب عليها القانون، فقال: «إن السباب ليس من عادته، وإنه فقط استخدم اللغة الأقرب لوجدان المصريين، مما يتطابق مع المثل الشائع «نسيب الحمار ونمسك فى البردعة» حسب وصفه»!!
فى هذا الوقت نشر أدمن الصفحة الرسمية للمجلس العسكرى رسالة معنونة بـ«حالة فهم» عبر فيها على صفحته فى موقع التواصل الاجتماعى «فيسبوك» عن انتقاده لتصريحات زياد العليمى، عضو مجلس الشعب عن الحزب المصرى الديمقراطى الاجتماعى.


وتساءل الأدمن فى رسالته: هل هى أزمة أخلاق أم أزمة تربية؟ أين لجنة القيم فى مجلس الشعب من تصريحات العليمى؟
ووجه أدمن الصفحة حديثه إلى العليمى بالقول: «لا عتاب عليك» والثورة بريئة منك ومن أمثالك، لأنك لم تسىء إلى رئيس المجلس الأعلى، وهو أكبر من أن تصل إليه أو يصل إليه أشباهك ومؤيدوك، وهم أصبحوا معروفين للشعب المصرى كله، وإنما أنت عبرت عن أخلاقك وطبيعة تربيتك التى نشأت عليها، والتى تسمح لك بإهانة من هم أكبر منك سنًا.


واستنكر الأدمن حديث زياد العليمى عن رئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة، باعتباره يحمل صفة رئيس الجمهورية، متهمًا العليمى بسب المشير طنطاوى وقذفه على الملأ.
واختتم الأدمن حديثه بالقول: «لم نعتد فى مؤسستنا العريقة أن نرد أو نلتفت إلى هذه المهاترات مِنْ أى مِنْ كان، ولكن ما أجبرنا على الرد هو صفة الشخص المتحدث». وقال: لم يبق لك لدينا، إلَّا المثل المصرى الشهير «لو طلع العيب من أهل العيب ميبقاش عيب».
فى هذا الوقت رفضت لجنة القيم فى مجلس الشعب تحويل قضية النائب زياد العليمى إلى مجمع اللغة العربية للبت فيما نسب إليه من سب المشير طنطاوى وكان ذلك أمرًا غريبًا.


والغريب فى هذا الوقت أن يخرج علينا الدكتور كمال بشر نائب رئيس مجمع اللغة العربية ليقول: «إن المثل الذى ضربه العليمى، هو عبارة شعبية تقال عند الإشارة إلى المسئول الأول عن خطأ ما، ولا يقصد بها السب أو القذف، أما إشارته إلى سيادة المشير فهى مرتبطة بسياق تفسير المثل وشرحه، ولو كانت هذه الإشارة منفصلة عن هذا السياق لكانت سبًا».
أما الدكتور حسن الشافعى رئيس المجمع، فقد نفى ما تتناوله وسائل الإعلام حول تبرئة مجمع اللغة لزياد العليمى من تهمة سب المشير طنطاوى أو حتى إدانته، حيث قال: «إن المجمع لم يدرس القضية أو يبدى فيها الرأى لأنه لم يتلق أوراق القضية رسميًا».
وفى يوم الأحد 19 فبراير، كان مجلس الشعب قد بدأ فى عقد جلساته الأسبوعية، وفى هذا الوقت طلبتُ الكلمة من رئيس المجلس «محمد سعد الكتاتنى» وقد منحى إيَّاها بعد إلحاح، حيث استعرضت فى كلمتى ما ذكره زياد العليمى فى ندوة بورسعيد عن المشير طنطاوى، وطالبت بالتحقيق معه بواسطة لجنة القيم بالمجلس والتى كنت أنا عضوًا فيها.


وقلت تحديدًا: «إن كلام النائب زياد العليمى عن المشير طنطاوى ينقص من كرامة المجلس، وإنه يتوجب محاسبته على الفور وتحويله إلى لجنة القيم».
لم يكن زياد العليمى موجودًا فى هذه الجلسة، وعندئذ حاول بعض الأعضاء مقاطعتى والرد علىّ، إلَّا أن د.سعد الكتاتنى رفض السماح لأحد بالحديث نيابة عن زياد العليمى، مؤكدًا أنه سيسمح له بالكلمة حال حضوره.
بعد إثارة القضية تحت قبة مجلس الشعب، سادت حالة غضب شديدة فى أوساط الشارع المصرى والعسكريين، وبدأ نشطاء فى تدشين حملة على موقع التواصل الاجتماعى «فيسبوك» طالبوا فيها بضرورة تحويل زياد العليمى إلى لجنة القيم بالمجلس، وكان نص الدعوة يقول: «إلى كل مصرى شريف، غيور على وطنه وجيشه، ارفع الآن سماعة الهاتف واتصل بـ124 وأطلب إرسال برقية هذا نصها:
- المرسل إليه: د.سعد الكتاتنى
- العنوان: مقر مجلس الشعب بشارع القصر العينى
- الرسالة: أطالب بتحويل النائب زياد العليمى إلى لجنة القيم بالمجلس ورفع الحصانة عنه وإسقاط عضويته، وذلك بعد تلفظه بالسب على شخص القائد الأعلى للجيش المصرى فى مؤتمر عام».
وفى هذا الوقت بدأ أهالى دائرة زياد العليمى فى جمع توقيعات من بعضهم البعض، بهدف إسقاط عضويته، كما تقدم عدد من العسكريين القدامى ببلاغات إلى النائب العام ضد زياد العليمى، ونظموا وقفة استنكار أمام دار القضاء العالى.


فى اليوم التالى وبعد أن نجحنا فى إحالة زياد العليمى إلى لجنة القيم، كانت المؤامرة قد اكتملت أركانها، فقام نحو 32 عضوًا من أعضاء المجلس بتقديم طلب إلى سعد الكتاتنى لإحالتى إلى لجنة القيم ردًا على اتهامى لمحمد البرادعى بالخيانة ورعاية عملاء الأمريكان فى مصر، وهو البيان الذى كنت قد ألقيته أمام البرلمان متهمًا فيه البرادعى بالتآمر على مصر، وطالب النواب بإحالتى إلى لجنة القيم إسوة بإحالة زياد العليمى.
فى هذا الوقت طلبت من الكتاتنى قراءة ما قلته تحت قبة البرلمان حرفيًا، وعما إذا كان يشكل سبًا وقذفًا أم انتقادًا موضوعيًا، بالفعل طلب الكتاتنى نص المضبطة من سامى مهران أمين عام المجلس، فجاء بها على الفور وكانت تحمل رقم (12) وقرأ الكتاتنى نص ما قلته، وطلب منى التعليق، فقلت: «إن هناك فارقًا بين الاتهام بالعمالة ومساعدة هذه المنظمات المتهمة بالعمالة»، وقدمت فى هذا الوقت تقارير مكتوبة وفيديوهات واسطوانات مصورة، تتضمن أحاديث البرادعى الصحفية والتليفزيونية، والتى انتقد فيها الحملات ضد منظمات المجتمع المدنى، التى كانت متهمة بالتمويل الأجنبى وقيامها بدور مشبوه فى صناعة الفوضى فى مصر.


وقلت فى هذا الوقت: «إننى لم اتهم البرادعى بالخيانة أو العمالة مباشرة، وإنما هو يرعى ويدافع عن الخونة والعملاء»، وعلق البعض علىّ بالقول: «إذن من يرعى الخونة فهو خائن»، هكذا انت قصدت، وفى هذا الوقت كانت الخلافات بين الإخوان والبرادعى قد وصلت إلى مداها، وكان الإخوان يتخوفون من ترشح البرادعى لرئاسة الجمهورية، وانقلبوا عليه بعد أن كانوا حلفاءه من قبل، وسبق لهم أن جمعوا له نحو 800 ألف توقيع تطالبه بالترشح لمنصب رئيس الجمهورية، ولكن يبدو أن الصدام قد بدأ مبكرًا، ولذلك عندما طرح الكتاتنى أمر إحالتى للجنة القيم للتصويت على البرلمان كانت الأغلبية ترفض ذلك، ليس حبًا فىّ أو محاولة لتبرئتى، ولكن نكاية فى البرادعى.


وعندما جاء زياد العليمى إلى مجلس الشعب رفض الاعتذار للمشير طنطاوى، وقال: «أنا لم أتجاوز فى حق أى شخص وإنما استخدمت مثلًا شعبيًا شائعًا».
وقتها أصدرت حركة شباب «6 أبريل» بيانًا طالبت فيه بتحويلى إلى لجنة القيم أسوة بالنائب زياد العليمى، وتساءلت الحركة: «لماذا لم يتم تحويل النائب مصطفى بكرى إلى لجنة القيم وقد شوه (6 أبريل) فى وسائل الإعلام واتهمهم بالعمالة وتلقى تمويل دون دليل، وقام كذلك بسب واتهام الدكتور البرادعى بالعمالة تحت قبة البرلمان، وهو ما يعتبر تصرفًا غير أخلاقى لسب الآخرين وتخوينهم»؟ وقالت الحركة: «إذا كان مجلس الشعب عادلًا وغير متحيز للسلطة، وليس لخدمة من فى السلطة فعليه تطبيق العدالة وتطبيق الإجراءات على الجميع».


لم تنعقد لجنة القيم فى هذا الوقت ولا مرة واحدة، وكانت تؤجل اجتماعاتها بالرغم من إلحاح الكثير من الأعضاء، وكان زياد العليمى يقول إنه لن يخضع للتحقيق أمام هذه اللجنة بسبب كونى عضوًا بها، وعندما أعلنت أننى لن أحضر اجتماعات اللجنة ضمانًا للحياد باعتبارى طرفًا فى المشكلة، أعلن تصميمه على الخضوع للتحقيق أيًّا كان الأمر.


فى هذا الوقت استجاب المشير طنطاوى لمطلب «سعد الكتاتنى» بالعفو عن زياد العليمى، وقد وجد الكتاتنى فى استجابة المشير وإنسانيته ضالته المفقودة، لينهى هذه الأزمة ويغلق الملف نهائيًا.
لقد رفض المشير طنطاوى فى هذا الوقت إحالة البلاغات المقدمة ضد زياد العليمى إلى القضاء العسكرى، وقال: «لا داعى للمحاكمات العسكرية، اتركوا الأمر لمجلس الشعب دون تصعيد».
كان ذلك هو أسلوب المشير طنطاوى فى التعامل مع الإساءات المتكررة، والإساءات التى كانت توجه إليه فى ميدان التحرير والكتابات المسيئة على الجدران.
وفى هذا الوقت كنت التقى مع المشير طنطاوى بحضور الفريق سامى عنان، وقلت له: إلى متى الصمت على ما يجرى ضدك يا سيادة المشير؟
- قال: أنا لا أهتم بكل ذلك.

 


- قلت: ولكن ذلك يسىء إلى شخصك، وإلى القوات المسلحة، وأنا مستعد أن أحضر عددًا من العاملين لمحو هذه الإساءات من على الجدران.
- قال: لا.. لا تفعل شيئًا.. اترك لنا الأمر.
انتظرت عدة أيام، لكن شيئًا لم يحدث، وكأن المشير أراد أن يقول: «اتركهم وشأنهم».
كنت أدرك أن المشير طنطاوى أقوى من أن تؤثر فيه هذه الإساءات، وأنه قادر على تحمل ما هو أشد من ذلك، لكننى ظللت أُلح عليه أكثر من مرة ولم أكن أتلقى ردًا إيجابيًا.
كان فى إمكان المشير أن يصدر تعليماته لأحد أجهزة القوات المسلحة بمحو هذه الإساءات والقبض على كل من يتعمد كتابتها على الجدران، لكنه رفض ذلك، وكان يقول دومًا: «سيأتى يوم يعرف فيه الناس حقيقة ما جرى، ويبدو أن توقعاته كانت صحيحة»!!

تم نسخ الرابط