على خطى العائلة المقدسة.. المنيا وأهم مشروع سياحي ديني؟
محافظة المنيا ليست مجرد رقعة جغرافية على ضفاف النيل، بل ذاكرة مفتوحة على الزمن، ومرآة تعكس تلاقي الأرض بالسماء، والتاريخ بالإيمان، والإنسان بالقدر؛ هنا، حيث ينساب النيل في هدوء يشبه الصلاة، وحيث تحفظ الجبال أسرار العابرين منذ آلاف السنين، تشكّلت ملامح الحكاية الكبرى التي لم تُكتب بالحبر، بل خُلّدت في الحجر والروح.

الرحلة الأقدس في التاريخ الإنساني
فحين ضاقت الأرض بأهل البرّ، واختبر الخوف حدود الاحتمال، فتحت المنيا قلبها قبل حدودها، واحتضنت الرحلة الأقدس في التاريخ الإنساني، رحلة العائلة المقدسة، التي لم تكن هروبًا من بطش، بقدر ما كانت امتحانًا للإيمان، ودليلًا على أن الطمأنينة قد تولد في أكثر اللحظات قسوة؛ هنا، تماهى الجبل مع الدعاء، وسكنت البركة في الصخر، وتحول المكان إلى معنى يتجاوز الجغرافيا.
المنيا ليست صفحة من كتاب التاريخ فحسب، بل فصلٌ مفتوح لا يزال يُكتب؛ فهي شاهد على أن القداسة لا تعيش في المعابد وحدها، بل في الأرض التي تمنح الأمان، وفي البشر الذين يفتحون صدورهم للغريب، وفي اللحظة التي يتحول فيها الخوف إلى رجاء.
ومن بين صخورها وكنائسها ومعابدها، ينبثق سؤال أبدي: كيف تصنع الأرض هويتها حين تمر بها السماء؟ من هنا تبدأ الحكاية؛ حكاية محافظة لم تكن يومًا على الهامش، بل كانت دومًا في القلب؛ قلب الرحلة، وقلب التاريخ، وقلب المعنى؛ لتدخل اليوم في قلب التنمية بمشروع طموح لإحياء مسار رحلة العائلة المقدسة وتعظيم الاستفادة منه دينيًا وسياحيًا وثقافيًا.
المستثمرين بالسياحة
بدأت القصة مع لقاء اللواء عماد كدواني محافظ المنيا، عددًا من المستثمرين في مجال السياحة، على رأسهم المستثمر السياحي منير غبور، وذلك بمنطقة جبل الطير بمركز سمالوط، إحدى أبرز المحطات التاريخية والدينية ضمن مسار الرحلة المباركة، لبحث سبل تطوير المنطقة ورفع كفاءتها وتعظيم استغلالها سياحيًا وتنمويًا.
ويأتي هذا اللقاء تنفيذًا لتوجيهات دولة رئيس مجلس الوزراء، ووزيرة التنمية المحلية، بشأن تعظيم الاستفادة من مسار العائلة المقدسة، في ضوء اهتمام الدولة بتنفيذ مشروعات كبرى على امتداد المسار، تستهدف تنشيط السياحة الدينية وزيادة أعداد السائحين، وفتح آفاق جديدة للتنمية المستدامة بالمحافظات التي يمر بها المسار.

مشروع قومي بأبعاد عالمية
وفي ذلك الصدد أكد محافظ المنيا أن تطوير مسار العائلة المقدسة يُعد مشروعًا قوميًا ذا أبعاد دينية وسياحية وثقافية عالمية، ويحظى باهتمام القيادة السياسية، لما يحمله من قيمة روحية فريدة ومكانة خاصة في الوجدان الإنساني، مشيرًا إلى أن الدولة تعمل على تعظيم الاستفادة من المشروعات السياحية والتنموية الجاري تنفيذها في نقاط المسار المختلفة.
السياحة الدينية
وأوضح اللواء كدواني أن هذه الجهود تهدف إلى دعم خطط التنمية المستدامة، وتنشيط السياحة الدينية، وتوفير فرص عمل حقيقية للمجتمعات المحلية، مؤكدًا أن محافظة المنيا تمتلك مقومات تاريخية وأثرية وسياحية استثنائية، تجعلها نقطة ارتكاز محورية على خريطة السياحة الدينية العالمية. وشدد المحافظ على التزام الأجهزة التنفيذية بالمحافظة بتقديم جميع التسهيلات اللوجستية والإجرائية اللازمة لدعم المستثمرين الجادين، في إطار مشروعات الدولة القومية، بما يضمن سرعة التنفيذ وتحقيق أقصى استفادة ممكنة من المقومات المتاحة.
القطاع الخاص شريك
من جانبه، أعرب المستثمر السياحي منير غبور عن تقديره للدعم الذي توليه الدولة ومحافظة المنيا لمشروع إحياء مسار العائلة المقدسة، مؤكدًا أن المشروع يُمثل فرصة تاريخية لوضع مصر في مصاف الدول الرائدة عالميًا في مجال السياحة الدينية.

30 مليون سائح سنويًا
وأشار غبور إلى أن المشروع، حال اكتماله، يمكن أن يسهم في جذب نحو 30 مليون سائح سنويًا، موضحًا أن اهتمامه بالاستثمار في هذا المسار ينبع من قناعته العميقة بأهميته الاقتصادية والروحية، وما يحمله من خير كبير لمصر وأبنائها.
شركة المسار
وأعلن عن تأسيس «شركة المسار»، وهي شركة مساهمة مصرية تضم عددًا من رجال الأعمال، لتكون الذراع الاستثمارية التي تنطلق منها رحلة تطوير وإحياء المسار، مؤكدًا أن محافظة المنيا ستكون البوابة الرئيسية لانطلاق المشروع على مستوى الجمهورية.
جولة ورؤية تنفيذية
وكان اصطحب محافظ المنيا المستثمر السياحي في جولة ميدانية بمنطقة جبل الطير، لتفقد الموقع على الطبيعة، والاطلاع على الأعمال الجارية ونقاط التطوير المقترحة، بما يسهم في وضع رؤية تنفيذية متكاملة تواكب القيمة التاريخية والروحية للمكان، وتحقق التوازن بين الحفاظ على قدسيته وتعظيم الاستفادة السياحية منه.
الرحلة المقدسة
وتُعد محافظة المنيا من أكثر محافظات مصر ارتباطًا برحلة العائلة المقدسة، حيث مرّت العائلة بعدة مواقع لا تزال تحتفظ بقدسيتها حتى اليوم، أبرزها جبل الطير شرق النيل، الذي ارتبط بمعجزة إيقاف الصخرة التي كادت أن تسقط على الطفل يسوع، في رمز إيماني خالد تناقلته الأجيال.

كنيسة السيدة العذراء
وفي هذا الموضع شُيّدت كنيسة السيدة العذراء بجبل الطير في القرن الرابع الميلادي، في عهد الإمبراطورة هيلانة، فوق المغارة التي احتمت بها العائلة المقدسة، لتصبح واحدة من أقدم الكنائس في العالم، ومزارًا روحيًا يقصده الآلاف سنويًا، خاصة خلال احتفالات عيد السيدة العذراء.
السياحة الدينية والتنمية المستدامة
لا يقتصر مشروع إحياء مسار العائلة المقدسة على البُعد الديني فقط، بل يمتد ليشمل بُعدًا اقتصاديًا وتنمويًا، من خلال خلق فرص عمل في مجالات الإرشاد السياحي، والخدمات الفندقية، والحرف التراثية، والنقل، فضلًا عن تحسين البنية التحتية ورفع مستوى الخدمات بالمناطق المحيطة بالمواقع المقدسة.
كما يعزز المشروع دمج صعيد مصر في خريطة السياحة العالمية، بعد سنوات طويلة من التركيز على المقاصد السياحية التقليدية، ليصبح المسار نموذجًا متكاملًا يجمع بين الإيمان والتاريخ والتنمية.

رسالة مصر للعالم
يمثل مسار العائلة المقدسة، وجبل الطير على وجه الخصوص، رسالة سلام وتسامح تعكس عمق الهوية المصرية، ودور مصر التاريخي كملاذ آمن للأنبياء والقديسين، وأرض احتضنت المقدس عبر العصور. ومع استمرار جهود التطوير والترويج عالميًا، تتجه الأنظار إلى المنيا باعتبارها قلب الرحلة وروحها، ونقطة انطلاق نحو مستقبل سياحي وتنموي جديد، يؤكد أن القداسة يمكن أن تكون رافدًا حقيقيًا للتنمية المستدامة.
مقصد للذاكرة الإنسانية
وفي النهاية المنيا أرض عبرتها القوافل والجيوش والأنبياء، فامتلأت بالرموز، وتحوّلت من مجرد محطة عبور إلى مقصد للذاكرة الإنسانية؛ هنا لا يُقاس الزمن بالسنوات، بل بالأثر؛ فكل شبر من أرض المنيا يروي قصة، وكل صخرة تحمل همسة من الماضي، كأن المكان ذاته شاهدٌ حيٌّ على رحلة البشر في بحثهم الدائم عن الأمان والمعنى.



