رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري
الجمهور الإخباري
رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري

حين تحدّى العقلُ الضجيج.. كيف نجا طه حسين من قبضة الغضب بالمنيا؟

طه حسين
طه حسين

تُعد حادثة محاولة الاعتداء على عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين أثناء زيارته لمحافظة المنيا في عشرينيات القرن الماضي واحدة من أكثر الوقائع الثقافية إثارة للجدل، والتي كشفت حجم التوتر الفكري والاجتماعي الذي رافق صدور كتابه الشهير «في الشعر الجاهلي» عام 1926.

وقد تحوّلت تلك الحادثة إلى حدث ثقافي بارز، تناولته الصحافة المصرية والعربية في ذلك الوقت بوصفه مؤشرًا على صراع بين الفكر التقليدي وحرية البحث العلمي، وبين سلطة الرأي العام وجرأة المفكر الذي قرر أن يواجه الموروث بالسؤال والنقد.

كتاب في الشعر الجاهلي

عقب صدور كتاب «في الشعر الجاهلي»، الذي دعا فيه طه حسين إلى إعادة فحص الشعر المنسوب للعصر الجاهلي، واعتبر أن بعضه منحول لأغراض سياسية وقبلية، اندلعت موجة واسعة من الجدل.
فيما واجه طه حسين اتهامات بالتشكيك في الثوابت الدينية، ودعاوى قضائية، وهجومًا صحفيًا مكثفًا واعتراضات من رجال دين وأدباء وسياسيين

ومما جاء فى الكتاب: «كل الشعر الجاهلى قد وُضع بعد الإسلام ممن اعتنقوا الإسلام، ثم نسبوه إلى العرب فى العصر الجاهلى، وكان السبب فى هذا الوضع وانتحال العديد من الأسباب السياسية والدينية، كأن تحاول قريش الإعلاء من شأنها بين القبائل الأخرى، أو محاولة الأمويين إثبات أنهم الأحق بكل شىء فى أمور الحياة، أو محاولات إثبات أمر من أمور الدين حسب تفسيرهم وأهوائهم، ما جعلهم يحاولون تأليف الشعر الذى يُثبت ما يذهبون إليه، ثم ينسبونه فيما بعد إلى العرب فى الجاهلية، وإن الكثرة المطلقة مما نسميه شعرا جاهليا ليست من الجاهلية فى شىء، وإنما هى مُنتحلة مُختلقة بعد ظهور الإسلام، فهى إسلامية تُمثل حياة المسلمين وميولهم وأهواءهم أكثر مما تُمثل حياة الجاهليين، وأكاد لا أشك فى أن ما بقى من الشعر الجاهلى الصحيح قليل جدالا يمثل شيئا ولا يدل على أى شىء، ولا ينبغى الاعتماد عليه فى استخراج الصورة الأدبية الصحيحة لهذا العصر الجاهلى، وأنا أُقدر النتائج الخطرة لهذه النتيجة.

انتحال الرواة أو اختلاق الأعراب

ولكنى مع ذلك لا أتردد فى إثباتها وإذاعتها، ولا أضعف عن أن أعلن إليك وإلى غيرك من القراء أن ما تقرأه على أنه شعر امرئ القيس، أو طرفة، أو ابن كلثوم، أو عنترة ليس من هؤلاء الناس فى شىء، وإنما هو انتحال الرواة أو اختلاق الأعراب أو صنعة النحاة، أو تكلف القصاص، أو اختراع المفسرين والمحدثين والمتكلمين.

وأن الشعر الذى يُضاف إليه الجاهليون يمثل حياة غامضة جافة بعيدة عن الدين، بينما القرآن يمثل لنا حياة دينية وعقلية قوية، ويمثل لنا القرآن الكريم أيضا اتصال العرب بغيرهم من الأمم المجاورة، كما يصور حياة العرب الاقتصادية، فى حين يخلو الشعر الجاهلى من ذلك كله».

الأدب الجاهلى


كما ذهب إلى أن «الأدب الجاهلى أيضا لا يمثل اللغة الجاهلية، لاختلاف اللغة الحميرية عن اللغة العدنانية جد الاختلاف، والمأثور من شعر الشعراء القحطانيين مروى باللغة العدنانية مع أنهم لم يكونوا يتكلمون بها، ولم يتخذوها لغة أدبية لهم قبل الإسلام كما حدث بعد الإسلام، ما يدل على انتحال هذا الشعر وسواه من فنون الأدب على هؤلاء القحطانيين، كما أن اختلاف اللهجات العدنانية أمر ثابت لا شك فيه، ولا نجد أثرا لهذا الاختلاف فى الشعر الجاهلى المأثور، ما يدل على انتحال هذا الشعر، وأنه قد حمل حملا على هذه القبائل بعد الإسلام، فليس من المعقول أن يكون الشعر الجاهلى بالكامل على لهجة واحدة من لهجات العرب وهى لهجة قريش فقط».

شيخ الأزهر الخضر الحسين

وما إن صدر الكتاب وأحدث ما أحدثه من ضجة واسعة النطاق حتى انبرى للرد عليه مجموعة من الشيوخ والكتاب البارزون، ومنهم شيخ الأزهر الخضر الحسين ومحمد فريد وجدى ومحمد لطفى جمعة، وخرجت هذه الردود فى ثلاثة كتب كانت نموذجا لمقارعة الحجة بالحجة لا بالتكفير، وجاءت هذه الردود على نحو حضارى راق نفتقده هذه الأيام التى يستسهل فيها كثيرون التكفير والتحريض، وسرعان ما دخلت السياسة فى المعركة، وكان من حظ الدكتور طه حسين أن تحالفا كان قائما بين الأحرار الدستوريين والوفد، فرئيس الوزراء عدلى يكن حر دستورى، ورئيس مجلس النواب هو سعد زغلول الوفدى، وهدد عدلى يكن إن أصاب الرجل أذى كما استخدم سعد زغلول نفوذه البرلمانى والشخصى فى تخفيف حدة ثائرة النواب الوفديين الذين وجدوا فى الأزمة فرصة لتصفية الحساب مع طه حسين، وقادت جريدة «كوكب الشرق» والتى كانت تعتبر امتدادا لجريدة المؤيد.

عباس العقاد

وكانت قد صدرت وفدية الاتجاه والنزعة فى عام 1924 واستمر صاحبها ورئيس تحريرها أحمد حافظ عوض، الذى تربى على يد مؤسس وصاحب جريدة المؤيد الشيخ على يوسف، فى الهجوم على طه حسين بسبب ما ورد فى كتابه، وأفردت «كوكب الشرق» عددا من صفحاتها للهجوم على طه حسين وعلى جريدة (السياسة) التى كانت تدافع عنه بأقلام أحمد لطفى السيد والدكتور محمد حسين هيكل ومنصور فهمى وعباس العقاد، فيما ردت كوكب الشرق الوفدية على طه حسين بأقلام مصطفى صادق الرافعى وشكيب أرسلان ومحمد لطفى جمعة وأحمد الغمراوى وعبدالمتعال الصعيدى.

وفى نهاية الأزمة تم حفظ التحقيق مع الدكتور طه حسين، والذى أعاد طبع الكتاب بعنوان «الأدب الجاهلى» بعد أن رفع منه الفصول الأربعة التى أثارت الرأى العام وأغضبت العلماء.

النيابة العامة حفظت التحقيق

وعلى الرغم من أن النيابة العامة حفظت التحقيق معه، معتبرة أن الكتاب يدخل في نطاق البحث العلمي، فإن آثار الجدل لم تهدأ، وبقيت الساحة محتقنة تجاه المفكر الكبير طه حسين، الذي كان يشغل آنذاك كرسي الأستاذية في الجامعة المصرية.

زيارة المنيا والمواجهة

جاءت زيارة طه حسين إلى محافظة المنيا بدعوة من إحدى الجمعيات الثقافية هناك لإلقاء محاضرة حول الأدب العربي وتطوره لتمثل لحظة المواجهة.

كانت القاعة التي استقبلته ممتلئة بالطلبة والمثقفين ورواد العمل الأهلي، إلى جانب حضور عدد من المحافظين فكريًا ممن رأوا في كتابه “تهديدًا للتراث”.

وبحسب ما سجلته الصحف آنذاك، فقد بدأ طه حسين محاضرته بصوت واثق، مستعرضًا جوانب من رؤيته النقدية، مؤكدًا أن البحث في التراث لا يعني الانتقاص منه، بل فهمه على ضوء المنهج العلمي.

لكن أجواء التوتر كانت واضحة، إذ تعالت بعض الهمسات والاعتراضات بين الحاضرين، قبل أن يتطور الموقف بشكل مفاجئ.

لحظة كادت تنقلب إلى فوضى

مع اقتراب نهاية المحاضرة، حاول أحد الحضور، ممن تأثروا بحملة التشويه التي لحقت بطه حسين آنذاك، الاعتداء عليه لفظيًا، قبل أن يتحول الموقف إلى محاولة للاعتداء الجسدي.

تدخل عدد من المثقفين والطلبة الحاضرين، وشكّلوا دائرة حول طه حسين لحمايته، بينما سارع المنظمون إلى تهدئة القاعة، واستدعاء أفراد الأمن المحلي لإخراج المعتدي ومن حالفه في إثارة الفوضى.

ورغم حالة الارتباك التي سادت المكان، فإن طه حسين وقف بثبات، وأكمل كلمته قائلاً عبارته الشهيرة بحسب الشهادات المنشورة في الصحف: «إن الفكر لا يواجه بالعنف، بل بالحجة».

الصحافة تتصدر المشهد

تناولت الصحف الكبرى الحادثة في اليوم التالي بعناوين بارزة، معتبرة أن محاولة الاعتداء على طه حسين ليست مجرد حادث فردي، بل علامة على صراع ثقافي عميق في المجتمع المصري آنذاك.

فيما انقسمت مقالات الرأي بين من شدد على ضرورة حماية حرية الفكر والبحث، ومن رأى أن أفكار طه حسين “تجاوزت المقبول”، ومن حمّل المؤسسات التعليمية مسؤولية تهيئة المجتمع للحوار العلمي

ورغم الجدل الواسع، اعتُبرت الحادثة نقطة قوة في مسيرة طه حسين، لما أظهرته من ثبات وثقة، ولأنها مثلت لحظة اختبار بين الحرية الفكرية والضغط الاجتماعي.

أثر الواقعة ومسيرة طه حسين

لم تثنِ الحادثة طه حسين عن مواصلة مشروعه الفكري؛ بل أكسبته مزيدًا من الدعم بين المثقفين الشباب، ورسّخت صورته كمدافع شرس عن حرية البحث.

وبعد سنوات، أثبت التاريخ أن هذا الصدام كان إحدى المحطات التي صقلت حضور طه حسين ومنحته لقب “عميد الأدب العربي” عن جدارة.

الأفكار لا تُقمع بالقوة

تبقى محاولة الاعتداء على طه حسين في المنيا حدثًا دالًا في مسار الفكر العربي الحديث.
لم تكن مجرد حادثة عابرة، بل مرآة لصراع بين منهج علمي كان يشق طريقه نحو المستقبل، وبين تيار محافظ يخشى تغيير المسلمات.

وفي كل الأحوال، أكدت تلك الواقعة أن الأفكار لا تُقمع بالقوة، وأن التاريخ — مهما طال — ينحاز إلى من يفتح باب السؤال، لا إلى من يحاول إغلاقه.

تم نسخ الرابط