رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري
الجمهور الإخباري
رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري

الحلقة 61.. شهادات وذكريات يرويها مصطفى بكري لـ«الجمهور»

مصطفى بكري
مصطفى بكري

فى الرابع من مارس 2011 بدأت الدعوة إلى اقتحام مقرات جهاز مباحث أمن الدولة، وقد أطلق نشطاء ينتمون إلى جماعة الإخوان والحركة السلفية وحركة 6 أبريل هذه الدعوة على موقع التواصل الاجتماعى "فيسبوك".


وفى اليوم التالى، السبت الخامس من مارس، كان الآلاف قد احتشدوا أمام المقر الرئيسى للجهاز فى مدينة نصر.


بدأت عملية الحصار للمبنى فى الرابعة عصرًا، وظل المتظاهرون يرددون الهتافات المعادية ويروون الأكاذيب عن السجناء داخل المبنى حتى السابعة مساء، حيث طالب أحد السلفيين باقتحام المبنى للإفراج عن المسجونين فى سجن يقبع أسفل المبنى.


فى هذا الوقت كان رجال الجهاز قد غادروا المبنى وتولى الجيش مهمة حمايته، وبالرغم أن اللواء حسن الروينى قائد المنطقة العسكرية المركزية فى هذا الوقت خرج للمتظاهرين وأكد لهم أن المبنى خال من رجال الجهاز، إلا أن قادة المتظاهرين الذين كان قد بلغ عددهم نحو 2500 شخص صمموا على اقتحام مبنى الجهاز بزعم التأكد من إخلائه بالفعل.


وبالفعل استطاع المتظاهرون دخول المبنى وقاموا بالبحث عن الأوراق والمستندات الخاصة بالجهاز فاستولوا عليها وحملوها فى كراتين إلى خارج مبنى الجهاز، بعد أن عاثوا بالغرف والأجهزة فسادًا وتحطيمًا.


كان المشهد مؤلمًا للغاية، حيث راح بعض النشطاء وقادتهم يتباهون بسرقة أوراق ووثائق الجهاز ويروون حكايات كاذبة بقصد إشعال نيران الغضب فى الجماهير، الذين شارك بعضهم بعد ذلك فى اقتحام العديد من المقرات الأخرى فى عدد كبير من محافظات الجمهورية بزعم أن رجال الجهاز يسعون إلى حرق الوثائق واتلافها.


لقد كان من نتاج هذه الحملات المسمومة والأكاذيب المفضوحة ضد الجهاز الذى تولى حماية أمن البلاد ومواجهة أعدائها على مدى عقود طويلة من الزمن، أن قرر اللواء منصور العيسوى وزير الداخلية حل الجهاز فى 15 مارس 2011.


فى هذا الوقت التقيت اللواء منصور العيسوى، وهو من أبناء مركز إسنا، والذى كان تابعًا لمحافظة قنا، وتربطنى به علاقة تمتد إلى أكثر من 30 عامًا، وقد حكى لىّ تفاصيل المؤامرة ودور الإخوان فى هذا الوقت.


وفى زيارة أخرى إلى مكتبه التقيت اللواء مجدى عبدالغفار الذى كان يتولى منصب نائب رئيس الجهاز، وكان اللواء منصور العيسوى يقول لىّ دومًا إن اللواء مجدى عبدالغفار قادر على إعادة الجهاز إلى قوته مرة أخرى رغم صعوبة المهمة وشراسة الحملة التى كانت موجهة ضد الجهاز فى هذا الوقت.

فى 19 مارس، كانت الاستعدادات قد انتهت للاستفتاء على الإعلان الدستورى الجديد، وقد جرى الاستفتاء الذى شارك فيه أكثر من 14 مليون ناخب مصرى بطريقة أذهلت الكثيرين، وكانت النتيجة هى الموافقة على الإعلان بنسبة تزيد على 77٪ فى حين عارض التعديلات ما يقارب الـ23% من الناخبين.


قرر المجلس العسكرى إضافة مواد دستورية عديدة إلى الإعلان، لسد الفراغ الناشئ عن الأوضاع الجديدة فى البلاد، ولذلك جرى تكليف اللجنة المعنية بالتعديلات باستكمال الإعلان المستفتى عليه، والذى تم إصداره فى الثلاثين من مارس 2011من 63 مادة.


كان من بين هذه المواد الجديدة، المادة 60 من الإعلان والتى نصت على أن: "يجتمع الأعضاء غير المعينين لأول مجلسى شعب وشورى فى اجتماع مشترك بدعوة من المجلس الأعلى للقوات المسلحة خلال ستة أشهر من انتخابهم، لانتخاب جمعية تأسيسية من مائة عضو تتولى إعداد مشروع دستور جديد للبلاد فى موعد غايته ستة أشهر من تشكيلها ويُعرض المشروع، خلال خمسة عشر يومًا من إعداده على الشعب لاستفتائه فى شأنه ويعمل بالدستور من تاريخ إعلان موافقة الشعب عليه فى الاستفتاء".


وأوكلت المادة 61 للمجلس الأعلى للقوات المسلحة الاستمرار فى مباشرة التخصصات المحددة فى هذا الإعلان وذلك لحين تولى كل من مجلسى الشعب والشورى لاختصاصاتهما وحتى انتخاب رئيس الجمهورية ومباشرته مهام منصبه كلٌ فى حينه.


فى هذا الوقت صرح اللواء ممدوح شاهين بـ"أن الانتخابات الرئاسية ستجرى بعد شهر أو شهرين من الانتخابات البرلمانية"، وكان يعنى بذلك أن البرلمان القادم وفقًا لنص المادة 60 من الإعلان الدستورى مطالب بالإعداد فورًا لتشكيل الجمعية التأسيسية التى كان عليها أن تضع الدستور الدائم للبلاد وفقًا للآلية المحددة فى الإعلان.


لقد سعى الإخوان إلى تحريض فئات عمالية عديدة على الاحتجاج والاضراب عن العمل، وكان الهدف هو زيادة حدة الأزمة فى البلاد والضغط على المجلس العسكرى لتسليم السلطة وترك البلاد حتى تكون لقمة سائغة فى فم الإخوان.
فى هذا الوقت سادت البلاد حالة من  الفوضى العارمة وتصاعدت حدة التوتر الطائفى ووقعت أحداث طائفية عنيفة فى أطفيح فى السابع من مارس 2011، والمقطم فى التاسع من مارس، وإمبابة فى الثامن من مايو بعد ذلك.
لم تكن الأحوال داخل الحكومة أحسن حالاً، فقد اشتد الخلاف بين د.عصام شرف رئيس الوزراء الذى جاء فى أعقاب استقالة الفريق أحمد شفيق وبين د.يحيى الجمل نائب رئيس الوزراء، سواء بسبب ما اسماه د.الجمل من تراخى الحكومة واستجابتها لكثير من مطالب الإخوان والسلفيين مما دفع بالدكتور يحيى الجمل إلى التقدم باستقالته أكثر من مرة، إلا أن المشير طنطاوى رفض الاستقالة وطالبه بالاستمرار فى أداء مهام منصبه.


عندما أصر الدكتور يحيى الجمل على مواقفه، اضطر المشير للموافقة على قبول الاستقالة فى التعديل الوزارى الذى جرى بمقتضاه تغيير 13 وزيرًا بعد ذلك.


فى هذا الوقت شنت جماعة الإخوان والقوى السلفية وبعض ما يسمى بالقوى الثورية هجومًا عنيفًا ضد الدكتور على السلمى نائب رئيس الوزراء للشئون السياسية والتحول الديمقراطى بعد أن طرح وثيقة "المبادئ فوق الدستورية" والتى اطلق عليها "وثيقة السلمى" بناء على تكليف من المجلس العسكرى وموافقة الحكومة.


لقد تبنت هذه الوثيقة إعلان المبادئ الأساسية ومعايير تشكيل الجمعية التأسيسية لوضع الدستور بطريقة تؤدى إلى حماية ثوابت الدولة من السيطرة والهيمنة عليها من قبل هذه التيارات، ولم يكن ذلك إلا ترجمة عملية للإعلان الدستورى الصادر فى 30 مارس من ذات العام.


لقد استغلت جماعة الإخوان وأنصارها المادتين (9 و10) بالوثيقة واللتين تحددان دور المؤسسة العسكرية وراحت تحرض بقية القوى السياسية بزعم أن الجيش يسعى لأن يكون له وضع مميز فى هذه الوثيقة وأن ذلك يمثل ردة على أهداف ثورة يناير!!
كان الهدف أبعد من ذلك بكثير، كان المقصود هو إفشال الوثيقة؛ وتأجيل حسم الموقف من الدستور إلى وقت لاحق، على أن يترك للبرلمان وحده سلطة تقدير الموقف.


كانت الفقرة (أ) من المادة 22 من هذه الوثيقة قد تضمنت تحديد هوية وانتماءات المائة عضو المطلوب انتخابهم من البرلمان القادم للجمعية التأسيسية لوضع الدستور الجديد بطريقة تمنع سيطرة "الإخوان والسلفيين" عليها.


لقد اقترحت وثيقة السلمى  وكان ذلك هو سبب ثورة الإخوان وأنصارهم عليها ـ أن يجرى اختيار ثمانين عضوًا من غير أعضاء مجلسى الشعب والشورى يمثلون كافة أطياف المجتمع المصرى وعشرين فقط من أعضاء مجلسى الشعب والشورى من غير المعينين.


ومن بين هؤلاء الثمانين (15) يمثلون الهيئات القضائية و15 من أساتذة الجامعات، و15 من ممثلى النقابات المهنية، و5 من ممثلى النقابات العمالية، و5 من الفلاحين ترشحهم اتحاداتهم، و5 من ممثلى اتحاد الجمعيات الأهلية وشخص واحد عن كل من جمعيات رجال الأعمال، المجلس القومى لحقوق الإنسان، القوات المسلحة، الشرطة، الاتحادات الرياضية، اتحاد طلاب الجامعات، الأزهر، الكنيسة. 

 

إضافة إلى 10 شخصيات عامة يرشحها مجلس الوزراء، أما العشرون عضوًا الباقون، فهؤلاء يختارون من بين ممثلى الأحزاب والمستقلين بحسب نسبة تمثيلهم فى مجلسى الشعب والشورى بحد أقصى خمسة أعضاء.
عندما درس الإخوان والعناصر المرتبطة بهم هذا الاقتراح أدركوا أن نسبة تمثيلهم فى الجمعية التأسيسية سوف تكون محدودة، ولن يحصلوا فيها على الأغلبية، التى تؤهلهم لصياغة الدستور وفقًا لحساباتهم ومصالحهم السياسية.
فكانت ثورتهم عارمة على الفقرة الثانية من هذه المادة، والتى حوت نصًا يحمى مواد الدستور الجديد من أى محاولات للعبث بها، أو توظيفها لحساب أهداف تتناقض مع المقومات الأساسية للمجتمع المصرى، لقد نصت هذه الفقرة على أنه: "إذا تضمن مشروع الدستور الذى أعدته الجمعية التأسيسية نصًا أو أكثر يتعارض مع المقومات الأساسية للدولة والمجتمع المصرى والحقوق والحريات العامة التى استقرت عليها الدساتير المصرية المتعاقبة بما فيها الإعلان الدستورى الصادر فى 30 مارس 2011، والإعلانات الدستورية التالية له، يطلب المجلس الأعلى للقوات المسلحة بما له من سلطات رئيس الجمهورية فى المرحلة الانتقالية من الجمعية التأسيسية إعادة النظر فى هذه النصوص خلال مدة أقصاها خمسة عشر يومًا، فإذا لم توافق الجمعية، كان للمجلس أن يعرض الأمر على المحكمة الدستورية العليا، على أن تصدر المحكمة قرارها فى شأنه خلال سبعة أيام من تاريخ عرض الأمر عليها، ويكون القرار الصادر من المحكمة الدستورية العليا ملزمًا للكافة ولجميع سلطات الدولة".


أما الفقرة الثالثة فقد جاءت تحذيرية وكان هدفها الحض على الاسراع بإعداد الدستور إذ نصت على أنه "إذا لم تنته الجمعية التأسيسية من إعداد مشروع الدستور خلال الستة أشهر المنصوص عليها فى الإعلان الدستورى لأى سبب من الأسباب، يكون للمجلس الأعلى للقوات المسلحة بما له من سلطات رئيس الجمهورية سلطة تشكيل جمعية تأسيسية وفقًا للمعايير المتوافق عليها لإعداد مشروع الدستور خلال ثلاثة أشهر من تاريخ تشكيلها، ويعرض المشروع على الشعب لاستفتائه عليه خلال خمسة عشر يومًا من تاريخ الانتهاء من إعداد هذا المشروع".


بمجرد أن طرحت هذه الوثيقة للحوار المجتمعى قامت الدنيا ولم تقعد، وبدأت الجماعة فى شن حملات تحريضية ودفع العديد من القوى الأخرى للمشاركة فيها.
لقد تعرض المشير والمجلس العسكرى لاتهامات ظالمة، وحملوهم المسئولية عن هذه الوثيقة بهدف الحصول على امتيازات لصالح المؤسسة العسكرية، واختراع وثيقة المبادئ فوق الدستورية، وراحوا يرددون فى كل مكان، وهل هناك وثيقة أعلى من الدستور، واستغل الإعلام فى هذا الوقت أسوأ استغلال وبدأت حملات التحريض تؤتى نتائجها!!


لقد تصاعدت الأحداث سريعًا. وبدأت الدعوة إلى مليونية جمعة "استرداد الثورة" فى 18 نوفمبر 2011 مما دعا المستشار محمد عطية وزير التنمية المحلية إلى القول "إن الأحداث الجارية هتودى البلد فى داهية" وقال "الناس اللى عايزة تحكم البلد من ميدان التحرير أهلاً وسهلاً بيهم، يتفضلوا، إحنا عايزين نمشى النهاردة قبل بكرة" ثم تساءل بالقول "هل الاعتراض على وثيقة السلمى يؤدى إلى حرق أقسام الشرطة ومديريات الأمن فى المحافظات والاعتداء على وزارة الداخلية؟!".
كان المشهد يمهد لفوضى عارمة فى البلاد، وكان المجلس العسكرى يدرك أن الإخوان يسعون إلى تكرار سيناريو 28 يناير الذى جرى بمقتضاه حرق أقسام الشرطة واقتحام السجون والتحريض ضد المؤسسة العسكرية.
فى هذا الوقت التقى رئيس الوزراء عصام شرف فى حضور د.على السلمى بكل من د.محمد مرسى رئيس حزب الحرية والعدالة ود.محمد عبدالمقصود ممثلاً عن التيار السلفى، جرى حوار مطول حول وثيقة السلمى، ورغم إبداء د.على السلمى استعداده للاستجابة لمطالب المعترضين على بعض المواد المتعلقة بسلطات الجيش فى الوثيقة، إلا أن الطرفين كانا يستهدفان بالأساس تغيير المواد المتعلقة بتشكيل الجمعية التأسيسية ودور المحكمة الدستورية وحقها فى الاعتراض على بعض أو كل المواد التى تتصادم مع ثوابت المجتمع والدولة.
بعد فشل هذا اللقاء بفعل إصرار الإخوان والسلفيين على موقفهم، أعلنت جماعة الإخوان انضمامها إلى مليونية (18 نوفمبر) التى كان أبرز أهدافها إسقاط الوثيقة وسرعة تسليم السلطة للمدنيين قبل أبريل 2012.
لقد ضمت هذه المليونية عشرات الآلاف من المشاركين وتحول ميدان التحرير وشارع محمد محمود إلى ساحة للحرب، كما انضم إليها 39 حزبًا وحركة وتحولت منابر المساجد إلى منصات تطالب المجلس العسكرى بإلغاء الوثيقة وتسليم السلطة.
فى هذا الوقت أعلن المهندس سعد الحسينى عضو مكتب الإرشاد لجماعة الإخوان رفض جماعة الإخوان للوثيقة جملة وتفصيلاً، وقال: "إن التعديلات مرفوضة، لأننا نرفض الوثيقة من الأساس، شكلاً وموضوعًا، وعلى الدكتور السلمى أن يجلس فى منزله، ويكفى خيره شره، فليس له دخل فى هذا الأمر، وتساءل: "من هو حتى يقوم بمهمة التشريع؟!" وقال "لن نسمح أبدًا بإصدار هذه الوثيقة"!!
كانت الحشود فى ميدان التحرير تتزايد، وقد تصاعدت أحداث العنف فى شارع محمد محمود، وأشعل الإخوان وحلفاؤهم النيران فى العديد من أقسام الشرطة وحاولوا اقتحام مبنى وزارة الداخلية مما أدى إلى سقوط وجرح العشرات، اجتمع المجلس العسكرى فى هذا الوقت برئاسة المشير طنطاوى، تم تدارس الأمر من كافة اتجاهاته، ولم يكن أمامه من خيار سوى القبول باستقالة الحكومة واستقالة د.على السلمى والتراجع عن الوثيقة.
كانت الضغوط على المشير طنطاوى عنيفة، وكان سقوط عشرات القتلى ومئات الجرحى مصدر قلق شديد، لقد سعى إلى تجاوز الأزمة بأى ثمن، لم يكن أحد مستعدًا أن يستمع إلى صوت العقل، لقد استخدم الإخوان كافة أنواع الحروب النفسية والإعلامية والميدانية لإجبار المشير على التراجع والتسليم بإلغاء الوثيقة والقبول باستقالة حكومة عصام شرف.
بعد الحادث بفترة من الوقت التقيت لساعات طوال بالدكتور على السلمى فى منزله، كان يتحدث بمرارة شديدة، وكان على ثقة من أن جماعة الإخوان سوف تستمر فى ضغوطها على المجلس العسكرى، فى ظل غيبة جماهيرية، وعدم إدراك من القوى السياسية بحقيقة المخطط وأهداف الإخوان.


لقد قال لى " أعرف أن المشير مع الوثيقة وما تضمنته، لكن لم يكن أمامه من خيار، فقد استطاع الإخوان استقطاب الشارع ودفعه للوقوف معهم، ولم يكن أمام المجلس العسكرى فى نهاية الأمر سوى تفويت الفرصة".
كان المشير طنطاوى مصرًا على إجراء الانتخابات البرلمانية فى موعدها المحدد (28 نوفمبر 2011)، وقد رفض كافة التحذيرات الأمنية، بما فيها تحذيرات اللواء منصور العيسوى وزير الداخلية نفسه الذى طالب علانية بتأجيل إجراء الانتخابات فى ظل الظروف التى كانت تعيشها البلاد.
كان المشير طنطاوى يعرف أبعاد المؤامرة، ويدرك أهدافها، وكان يعرف أن من بين هذه الأهداف عدم إجراء الانتخابات البرلمانية، وتصعيد الموقف لاجبار المجلس العسكرى على تسليم السلطة، وابعاد الجيش عنها، حتى ينفردوا بالإدارة الجديدة ويسعون إلى توظيفها لخدمة أهدافهم.
كان المشير يقول إنه اضطر لإلغاء وثيقة السلمى رغم أنها الضمانة الحقيقية لإعداد دستور يؤكد الثوابت المجتمعية، ويحمى البلاد من خطر الوقوع فى قبضة الإخوان.
عندما سألته فى وقت لاحق بمقر وزارة الدفاع، ولماذا تراجعت عنها؟ قال لى "المهم تفويت الفرصة على المتآمرين من تنفيذ مؤامراتهم ضد مصر، أنا أدرك أبعاد المؤامرة جيدًا، وأعرف أن هناك من لا يريدون لمصر الاستقرار وإعادة بناء المؤسسات ولذلك علينا أن نتحمل وأن نتصرف بحكمة حماية للوطن وتحقيقًا لهدف أكبر، كلنا نعرفه، وهو أمن مصر واستقرارها وحمايتها من محاولات التفتيت ودفعها إلى الفوضى".


كانت كلمات المشير تعبر عن إحساس بالخطر، كان لديه شعور كبير بالمرارة، كان يدرك حتى هذا الوقت، أن الإخوان لن يحققوا الأغلبية، كان يراهن على الشعب، كانت التقارير تؤكد له أن القوى المدنية ستحقق فوزًا كبيرا فى البرلمان، إلا أن كل ذلك ذهب أدراج الرياح.


كان المجلس العسكرى قد أصدر بعد نقاشات وحوارات مطولة مع رجال القانون الدستورى قانونًا للانتخابات بموجبه يتم انتخاب مجلس شعب من 544 عضوا يجرى انتخاب نصفهم بنظام الانتخاب الفردى والنصف الآخر بنظام القوائم الحزبية المغلقة.


لم يرض هذا القانون جماعة الإخوان، بل انضم إلى موقفها فى هذا الوقت كثير من الأحزاب السياسية من بينها حزب الوفد، واجتمع نحو 26 حزبا وقرروا مقاطعة الانتخابات إذا لم يستجب المجلس العسكرى لمطالبهم، فكانت هذه المادة تحديدًا التى منحت الحزبيين حق الترشح على القوائم والفردى بينما لم تعط ذات الحق للمستقلين هى السبب فى حل البرلمان فيما بعد..
ولم يكن أمام المجلس العسكرى سوى الاستجابة لمطلبهم، حذر اللواء ممدوح شاهين الأحزب من أن هذا القانون سوف يحكم بعدم دستوريته، وأن المحكمة الدستورية قد تلجأ إلى حل البرلمان بسببه، لكن أحدا لم ينصت للتحذيرات، بل مضوا خلف الإخوان، فكانت الكارثة التى أدت إلى حل مجلس الشعب بسبب بطلان هذه المادة.

تم نسخ الرابط