رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري
الجمهور الإخباري
رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري

ترامب وممداني.. معركة سياسية تلوح في أفق أميركا بين "الاشتراكي الشاب" و"الرئيس الملياردير"

ترامب وممداني
ترامب وممداني

تستعد الساحة السياسية الأمريكية لواحدة من أكثر المواجهات سخونة في تاريخها الحديث، بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والعمدة الجديد لمدينة نيويورك زهران ممداني، الذي أصبح حديث الساعة بعد فوزه الساحق وتوليه منصب العمدة رقم 111 للمدينة.
هذه المواجهة، التي تجمع بين الاشتراكي الشاب من أصول جنوب آسيوية والملياردير الجمهوري المخضرم، تتجاوز حدود المدينة لتصبح اختبارًا حقيقيًا لطبيعة الانقسام الأمريكي بين التيارين اليميني المحافظ واليساري التقدمي.

في الوقت الذي يرى فيه الديمقراطيون في ممداني وجهًا جديدًا يمثل مستقبل الحزب، ينظر إليه الجمهوريون بوصفه خصمًا خطيرًا قد يعيد تشكيل ملامح السياسة الوطنية في حال نجح في فرض رؤيته على أكبر مدن البلاد.

من عمدة إلى رمز وطني

يبلغ ممداني من العمر 34 عامًا، وينتمي إلى تيار تقدمي يقترب من أفكار بيرني ساندرز والإسكندرية أوكاسيو-كورتيز، وقد اكتسب شعبيته من خلال مواقفه المؤيدة للعدالة الاجتماعية والضرائب التصاعدية وتوسيع الإسكان المدعوم.
خلال حملته الانتخابية، قدّم نفسه باعتباره المرشح الذي “سيقف في وجه ترامب” بشكل مباشر، ووصف نفسه بأنه “أسوأ كوابيس الرئيس”.
وفي المقابل، سارع ترامب إلى مهاجمته، واصفًا إياه بأنه “شيوعي يسعى لتدمير القيم الأمريكية”، في خطابٍ يعيد إلى الأذهان لغة الحرب الباردة ولكن بنكهة العصر الرقمي.

الإعلام اليميني لم يتأخر في تبنّي هذه الرواية، إذ صوّر ممداني باعتباره “التهديد الجديد لأمن المجتمع الأمريكي”، بينما استخدمه ترامب كمادة تعبئة لأنصاره في التجمعات الانتخابية، معتبرًا أن فوز “أول مسلم يتولى قيادة نيويورك” مؤشر على “تغلغل اليسار المتطرف في قلب أمريكا”.

خلافات تمتد من الضرائب إلى الهجرة

تقرير صحيفة ذا تايمز البريطانية أشار إلى أن خطوط المواجهة بين الرجلين باتت واضحة: الضرائب، والهجرة، والقانون والنظام تشكل محاور الصراع الأساسية.
فبينما يدعو ممداني إلى رفع الضرائب على الأثرياء والشركات الكبرى، وتوسيع المساكن المدعومة وتجميد الإيجارات، يرى ترامب أن هذه السياسات “ستدمر مناخ الاستثمار” في المدينة التي يصفها بأنها “حبه الأول”.

لكن الصدام الاقتصادي مرشح للتحول إلى أزمة تمويل حقيقية. فترامب هدّد علنًا بخفض التمويل الفيدرالي عن نيويورك، قائلًا على منصة “تروث سوشيال”: “لن أقدّم دولارًا إضافيًا لهذه المدينة العظيمة سابقًا، لأنها الآن تحت إدارة شيوعي لن يكتب لها النجاح.”

وفق مكتب المراقب المالي لولاية نيويورك، ستحصل المدينة على نحو 7.4 مليارات دولار في السنة المالية 2026، أي ما يعادل 6.4% من ميزانيتها السنوية.
لكن أي تخفيض في هذا التمويل قد يضرب قطاعات التعليم والإسكان والخدمات الاجتماعية بشكل مباشر.

التمويل الفيدرالي سلاح ترامب المفضل

الخبيرة آنا تشامبني، نائبة رئيس الأبحاث في لجنة ميزانية المواطنين، حذّرت من أن “الأثر المباشر لأي تخفيضات سيكون كارثيًا على البرامج الحيوية”، موضحة أن المدينة “تتلقى قرابة 8 مليارات دولار سنويًا لدعم التعليم والخدمات الاجتماعية وتنمية المجتمع”.
وأضافت أن “الخلافات حول التمويل قد تُحال إلى المحاكم الفيدرالية، كما حدث سابقًا مع قرارات ترامب المتعلقة ببرامج المناخ والتنوع”.
وتوقعت أن “يستغرق حسمها وقتًا طويلًا داخل النظام القضائي، لأن مدى سلطة الرئيس في قطع التمويل يظل محل جدل قانوني واسع”.

ملف الهجرة: معركة على هوية المدينة

على صعيد الهجرة، يتبنّى الطرفان مواقف متناقضة تمامًا. فترامب جعل من “تشديد إجراءات الترحيل” أحد محاور حملته للعودة إلى البيت الأبيض، بينما أعلن ممداني عزمه تحويل نيويورك إلى مدينة ملاذ آمن، تنهي تعاونها مع وكالة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك (ICE)، وتمنع مشاركة بيانات المهاجرين مع السلطات الفيدرالية.
كما وعد بتوسيع الدعم القانوني للمهاجرين، ومنع استخدام مرافق المدينة في عمليات المداهمة.

تلك السياسات قد تؤدي إلى مواجهة مفتوحة مع الحكومة الفيدرالية، وربما إلى احتجاجات ضخمة داخل المدينة.
ويرى محللون أن مشاهد كتلك التي شهدتها شوارع كاليفورنيا وشيكاغو في السنوات الماضية قد تتكرر في نيويورك، لكن هذه المرة تحت أنظار عمدة يقف إلى جانب المتظاهرين.

توازنات الأمن الداخلي

ورغم خلفيته اليسارية، حاول ممداني خلال حملته إظهار قدر من البراغماتية، متراجعًا عن شعاره السابق “أوقفوا تمويل الشرطة”، ومؤكدًا أنه يريد “إصلاح العلاقة مع رجال الأمن لا تقويضها”.
ووعد بالإبقاء على المفوضة جيسيكا تيش في منصبها، في رسالة تهدف إلى طمأنة الناخبين القلقين من تدهور الأمن في المدينة.

لكن الجمهوريين يرون أن هذا التحول “تكتيكي” لا أكثر، وأن سياساته الاجتماعية ستقود المدينة نحو سيناريوهات شبيهة بما حدث في كاليفورنيا من ارتفاع للضرائب وهجرة للشركات، وربما تؤدي إلى تدخل فيدرالي مباشر.

مواجهة تتجاوز نيويورك إلى أميركا كلها

من الواضح أن الصدام بين ترامب وممداني لا يتعلق بشخصين فحسب، بل هو انعكاس لانقسام أيديولوجي أعمق بين أمريكا القديمة التي يمثلها ترامب، وأمريكا الجديدة التي يجسدها ممداني.
فالأول يسعى لإعادة إنتاج هيمنة القيم المحافظة والاقتصاد الحر غير المقيد، بينما يدافع الثاني عن رؤية تقدمية تقوم على العدالة الاجتماعية وتوزيع الثروة والاعتراف بالتنوع الثقافي.

ويرى مراقبون أن نيويورك قد تتحول إلى مختبر سياسي يختبر فيه الطرفان حدود نفوذهما:
هل يستطيع ممداني فرض رؤيته على مدينة لطالما كانت معقلًا للرأسمالية الأميركية؟
وهل سينجح ترامب في استخدام هذا الصدام لاستعادة زخم حملته الرئاسية؟

الجواب لم يتضح بعد، لكن المؤكد أن الأشهر المقبلة ستشهد معركة سياسية وإعلامية حامية الوطيس، ستتردد أصداؤها من مانهاتن إلى واشنطن، ومن مكتب العمدة إلى البيت الأبيض.

تم نسخ الرابط