رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري
الجمهور الإخباري
رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري

ياسمين عبده تكتب: من الدارك ويب إلى الإسماعيلية.. حين سبق الانفتاح الرقمي القانون

ياسمين عبده
ياسمين عبده

لم تكن جريمة الإسماعيلية مجرد حادث عابر يثير ضجة مؤقتة على مواقع التواصل الاجتماعي، بل كانت صدمة وطنية تهز الثقة في القانون نفسه، وتفتح جرحًا عميقًا في ضمير المجتمع المصري. لم نعد أمام طفل قتل، بل أمام جيل كامل تم تفريغه من إنسانيته داخل شاشات مفتوحة على الجحيم.

الجريمة لم تقع فجأة، بل نبتت جذورها في صمت الأسرة وتقصير الدولة في مواكبة التغيرات الخطيرة التي فرضها الانفتاح الرقمي. لم يعد الطفل اليوم كما كان قبل عشر سنوات. نحن أمام جيل يُربيه الإنترنت، ويشكل وعيه الدارك ويب، ويمنحه الجرأة على مشاهدة الدماء وتسجيل الجريمة وإعادة تمثيلها بلا ذرة ندم.

في الإسماعيلية، تحوّل منزل بسيط إلى مختبر جريمة: تشريح، وتقطيع، وتوثيق، وأدلة تشير إلى وعي كامل بالجريمة وأدواتها. القاتل لم يتحرك بدافع غضب لحظة، بل بدافع معرفة. ذهب ليحضر قفازات وأكياس نفايات — سلوك لا يصدر عن “طفل” مهما حاول البعض تصويره كذلك. ومع كل هذا، يُقال اليوم إن الجاني “حدث” لا يبلغ السن القانونية للمسؤولية الجنائية الكاملة. هنا تحديدًا تبدأ الكارثة، لا في الجريمة نفسها بل في قانونٍ عالق في زمنٍ آخر. فهل يُعقل أن من يملك القدرة على القتل والتشريح والإخفاء والتخطيط، يُعتبر طفلًا لا يدرك عواقب أفعاله؟ القانون المصري بحاجة إلى تعديل فوري، لأن البراءة لم تعد فطرية في هذا العصر، بل مصطنعة على الورق فقط.

الأسرة أولًا مسؤولة، لأنها تركت أبناءها فريسة للفوضى الرقمية. الأب والأم والعم يجب أن يُحاسبوا، لا لأنهم ارتكبوا الجريمة، بل لأنهم سمحوا بحدوثها. هؤلاء لم يحافظوا على أبنائهم، ولم يحموا المجتمع منهم. بل يجب توجيه الاتهام لهم بالإهمال الجسيم في حق أطفالهم وحق الوطن. ويجب أن تُطرح أسئلة لا يمكن تجاهلها: هل خضع إخوة الجاني الصغار لكشف طبي شامل؟ هل تم التأكد من أنهم لم يتعرضوا لاعتداءات جنسية داخل المنزل؟ هل تم فحصهم نفسيًا في وجود جهة رعاية محايدة؟ لأن الصمت هنا جريمة ثانية.

لابد من إيداع هؤلاء الأطفال في دار رعاية متخصصة في الإسماعيلية مع متابعة طبية ونفسية دقيقة، بعيدًا عن هذا البيت الذي تحول إلى شاهد على العنف والانحراف. فالمنزل الذي شهد هذه الجريمة ربما شهد جرائم أخرى لم تُكتشف بعد — اعتداءات، تعذيب، أو ضحايا صامتة لم تجد من يسمعها.

الإنترنت فتح كل الأبواب، لكن القانون أغلق عينيه. مواقع “الدارك ويب” و”التيك توك” و”ريلز العنف” أصبحت مدارس لتخريج قتلة صغار، يتعلمون فيها كيف يخفون الجثة، وكيف يصورون الجريمة بدم بارد، وكيف يستخدمون مبررات “المرض النفسي” و”تأثير الأفلام”. هذا الجيل ليس جاهلًا، بل مُدجَّن معرفيًا بطريقة مرعبة. يعرف تفاصيل القانون، ويدرك أن السن يحميه، وأن أقصى ما سيناله “مؤسسة رعاية” لسنوات، ليخرج بعدها أكثر تمرسًا.

إذن أين الدولة؟ أين الإعلام التوعوي؟ أين الأسرة والمدرسة؟ كلنا مسؤولون عن طفل تحول إلى قاتل. القوانين التي وُضعت قبل عقدين لا تصلح اليوم. المجتمع تغير، والأطفال تغيروا، ومصادر التأثير أصبحت خارج السيطرة. إذا استمر القانون في معاملة المجرمين القُصَّر كضحايا، فسنستيقظ يومًا لنجد أن الطفولة نفسها أصبحت خطرًا على الوطن. يجب أن يُعاد تعريف “الحدث” في ضوء التحولات الاجتماعية والتكنولوجية، وأن يُسن قانون يُمكّن القضاء من التعامل مع هذه الجرائم بجدية كاملة لا بعاطفة.

كل مرة نقول “طفل قتل” ولا نسأل: من رباه؟ من صمت عن بوادر انحرافه؟ من تركه يغوص في بحر المواقع السوداء دون رقابة؟ القانون الذي لا يرى كل ذلك… قانون أعمى. ولذلك، فإن معركتنا الحقيقية ليست ضد قاتل الإسماعيلية فقط، بل ضد فوضى رقمية تُخرج لنا مجرمين صغارًا يختبئون خلف سنٍّ قانونيٍ هشّ. فإما أن نعدل القوانين قبل أن يتكرر المشهد في كل بيت، أو نستعد للعيش في زمن يصبح فيه “الطفل القاتل” مشهدًا عاديًا على شاشاتنا .

تم نسخ الرابط