التايمز: فرنسا تعود إلى زمن ما قبل ديجول.. وماكرون في مهب الريح
دخلت فرنسا رسميًا في نفق أزمة سياسية معقدة، بعد أن قدم رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان لوكورنو، الإثنين، استقالته إلى الرئيس إيمانويل ماكرون، في خطوة عمّقت حالة الجمود السياسي التي تشهدها البلاد منذ الانتخابات التشريعية الأخيرة.
وقال لوكورنو في تصريحات صحفية: "الظروف لم تكن مناسبة لتولي المنصب"، مشيرًا إلى غياب البيئة السياسية التي تتيح له تشكيل حكومة فعّالة قادرة على نيل ثقة البرلمان.
وتأتي هذه الاستقالة في ظل برلمان معلق، لا يحظى فيه أي حزب بالأغلبية، مما يضع ماكرون أمام خيارات محدودة، جميعها تنطوي على تكلفة سياسية باهظة.

ثلاثة خيارات "مُرّة" أمام ماكرون
وفق تقرير لصحيفة "التايمز" البريطانية، يواجه الرئيس الفرنسي ثلاثة سيناريوهات رئيسية، لا يملك أيًا منها دون ثمن سياسي:
1. تعيين رئيس وزراء يساري
أحد السيناريوهات المطروحة هو تعيين شخصية يسارية قادرة على حشد دعم من اليسار والوسط في الجمعية الوطنية. لكن هذا الخيار سيتطلب من ماكرون تقديم تنازلات كبيرة على مستوى السياسات الاقتصادية والاجتماعية، وهو ما قد يُعد تراجعًا عن أجندته الإصلاحية الداعمة لقطاع الأعمال.
2. الدعوة لانتخابات برلمانية مبكرة
الخيار الثاني هو الدعوة لانتخابات جديدة لكسر حالة الجمود، رغم أن هذا المسار ينطوي على مخاطر حقيقية، خاصة مع صعود حزب "التجمع الوطني" اليميني المتطرف، بزعامة جوردان بارديلا، الذي يستعد لخوض حملة انتخابية جديدة، معتقدًا أن الإليزيه لن يكون أمامه خيار آخر سوى حل البرلمان.
3. الاستقالة من الرئاسة
الخيار الثالث هو الاستقالة، وقد استبعده ماكرون مرارًا، لكنه بات يُطرح علنًا من قبل سياسيين من مختلف الأطياف، كحل قد يعيد الاستقرار السياسي. ورغم أن الدستور لا يُجبر الرئيس على ذلك، فإن تنامي الغضب الشعبي والشلل المؤسسي قد يدفعه إلى إعادة النظر.
إرث ديجول في مهبّ الريح
ترى الصحيفة البريطانية أن قرارات ماكرون، وعلى رأسها حل البرلمان في 2024، أعادت البلاد إلى أجواء ما قبل عام 1958، حين كانت فرنسا تعيش اضطرابات سياسية خانقة، لم تُحل إلا بعودة الجنرال شارل ديغول، الذي وضع دستور الجمهورية الخامسة ومنح الرئيس صلاحيات موسعة.
لكن بحسب مراقبين، فإن ماكرون بات يُفكك هذا الإرث الدستوري، بعد أن تسبب في برلمان معلق وثلاث حكومات متعاقبة في أقل من عام، وتباطؤ في تمرير الميزانيات.
الانقسام السياسي والشلل التشريعي
تعيش فرنسا حالة من الشلل التشريعي الواضح، في ظل غياب أغلبية برلمانية، ورفض الكتل المختلفة الانخراط في تحالفات طويلة الأمد، مما عرقل عمل الحكومة في تمرير تشريعات أساسية.
وعجز البرلمان عن تمرير ميزانية العام الجاري في الوقت المحدد، بينما تواجه الحكومة صعوبة في اعتماد ميزانية 2026 وسط تصاعد الخلافات بين القوى السياسية.
ويعبّر الشارع الفرنسي عن استياء متزايد من حالة عدم الاستقرار، مع تراجع حاد في الثقة بالمؤسسات، وانتقادات متصاعدة للرئيس بسبب قراراته الفردية.
كل السيناريوهات مفتوحة
في ظل هذا الواقع، يواجه ماكرون أصعب لحظة في مسيرته السياسية. فبين تعيين رئيس وزراء يساري، أو التوجه إلى انتخابات جديدة محفوفة بالمخاطر، أو حتى الاستقالة، لا يبدو أن أي خيار يضمن له إنقاذ ولايته الثانية.

