شحاتة زكريا يكتب: القاهرة بعد قمة الدوحة.. صخرة التوازن التي تمنع الانفجار
من الدوحة خرج صوت القاهرة أكثر وضوحًا وصلابة ليس كطرف يسعى لانتزاع موقع في مشهد ملتهب، بل كحارس للمنطقة يحاول أن يمنع النار من أن تلتهم الجميع، الاجتماع لم يكن عابرًا ولا بياناته كانت بروتوكولية؛ بل كان أشبه بجرس إنذار في لحظة إقليمية حبلى بالانفجارات المحتملة، لكن بين ضجيج التصريحات وتناقض الحسابات بدت مصر وحدها متماسكة، تحمل على عاتقها معادلة صعبة: كيف تمنع الانفجار دون أن تخسر استقلال قرارها، وكيف تُوازن بين التهدئة والردع في إقليم مشبع بالتوترات.
لقد أثبتت القاهرة في اجتماع الدوحة أنها ليست مجرد لاعب إقليمي بل ميزان المنطقة، رسالتها كانت واضحة: لا مجال للمغامرات التي قد تدفع الخليج كله إلى حافة الخطر ولا مكان لرهانات على صفقات عابرة تتجاهل جوهر الصراع، مصر تحدثت بلسان من يعرف ثقل التاريخ وحجم الجغرافيا ومن يدرك أن أي انفجار في الخليج لن يبقى محصورًا في حدوده بل سيعيد رسم خرائط الطاقة والسياسة والتحالفات على مستوى العالم.
الموقف المصري حمل ثلاث إشارات جوهرية: الأولى أن القاهرة لن تسمح أن تتحول المنطقة إلى ساحة لتصفية الحسابات بين القوى الكبرى، والثانية أن استقرار الخليج ليس خيارًا ثانويًا بل خط أحمر يتعلق بالأمن القومي المصري مباشرة، والثالثة أن الحوار لا يعني الضعف والردع لا يعني الحرب، وإنما هي معادلة دقيقة لا يتقنها سوى من يعرف قيمة التوازن.
من يتأمل خطاب مصر في الدوحة يدرك أن القاهرة لم تكن تبحث عن مكاسب لحظية أو أدوار شكلية بل طرحت رؤية استراتيجية متكاملة، لقد شددت على أن الأمن القومي العربي كلٌّ لا يتجزأ وأن ما يُحاك في الكواليس من مشاريع تقسيم أو تهجير أو ابتزاز عبر ورقة اللاجئين والمياه لا يمكن السكوت عليه، هذا الموقف لم يكن مجرد بيانات بل امتداد لخطٍ ثابت تبنته مصر خلال السنوات الماضية جعلها تبدو اليوم وكأنها آخر قلعة للعقلانية في بحر مضطرب.
ولعل ما يميز القاهرة في هذه اللحظة أنها لا تتحرك بدافع العاطفة أو تحت تأثير الضغوط، بل وفق حسابات دقيقة تُوازن بين الردع والتهدئة، فهي تدرك أن أي حرب شاملة ستكسر ظهر المنطقة اقتصاديًا وأمنيًا وأن استمرار الصمت على الاستفزازات قد يشجع على مزيد من المغامرات، لذلك جاء خطابها في الدوحة بمثابة معادلة جديدة: "التهدئة ممكنة لكن بشروط تحمي الشعوب وتمنع الانفجار".
الدوحة لم تكن مجرد محطة بل لحظة كاشفة، كشفت كيف أن بعض القوى تراهن على الفوضى لتثبيت نفوذها، بينما مصر تراهن على الاستقرار لفتح أبواب المستقبل، كشفت أن القاهرة ليست فقط وسيطًا تقليديًا في النزاعات بل لاعبًا استراتيجيًا يعرف متى يرفع صوته ومتى يترك الآخرين يتحدثون، في لحظة بدا فيها الإقليم على شفا هاوية، جاءت القاهرة لتقول بوضوح: لن نسكت ولن نسمح أن يُدفع الخليج إلى حافة الانفجار.
هذا الموقف لا ينفصل عن سياق أوسع: مصر تدرك أن قوتها الحقيقية ليست فقط في جيوشها بل في قدرتها على أن تكون صوت العقل وسط الصخب، تدرك أن التوازن لا يعني الحياد السلبي وإنما يعني الإمساك بخيوط اللعبة دون أن تُستنزف في معارك الآخرين، وهو ما جعل كلماتها في الدوحة تحمل وقعًا خاصًا حتى بدا وكأن الجميع مهما اختلفت حساباتهم، مضطرون للاستماع إلى صوتها.
اليوم ونحن نقرأ المشهد بعد اجتماع الدوحة نستطيع أن نقول إن مصر وضعت حجر الأساس لمعركة الوعي السياسي في المنطقة، معركة عنوانها أن الاستقرار ليس ترفًا وأن الشعوب لن تكون وقودًا لمغامرات طائشة، وربما لهذا السبب كان خطاب القاهرة مختلفا: قويًا بلا تهور صارمًا بلا صخب واقعيًا بلا استسلام.
إن ما فعلته مصر في الدوحة لا يقتصر على اللحظة الراهنة، بل يفتح الباب أمام مرحلة جديدة في السياسة الإقليمية: مرحلة عنوانها أن الكلمة الأخيرة ليست للرصاص بل للعقل، وأن الردع الحقيقي ليس في عدد الصواريخ بل في القدرة على صناعة معادلة توقفها قبل أن تنطلق، وهنا تحديدًا تكمن قوة القاهرة التي تعرف أن العالم لا يحتاج إلى انفجار جديد بقدر ما يحتاج إلى من يمنعه.
لقد خرجت القاهرة من الدوحة أكثر ثباتًا وأقوى حضورًا، لم ترفع شعارات ولم تبحث عن أضواء بل اكتفت أن تقول كلمتها وتمضي، كلمة ستظل عالقة في أذهان من حضروا: أن مصر ليست فقط حارسًا للإقليم بل صمام أمان يمنع النار من أن تبتلع الجميع.