بـ174 مليون شيكل.. حملة دعائية إسرائيلية لتصوير "غزة السعيدة" تواجه سخرية وغضبًا عالميًا
كشف تحقيق استقصائي نشره موقع "شومريم" العبري أن وزارة الخارجية الإسرائيلية خصصت 174 مليون شيكل (نحو 45 مليون دولار) لتمويل حملة دعائية واسعة النطاق تهدف إلى تزييف الواقع الإنساني في قطاع غزة، وتقديم صورة "مضللة" لحياة طبيعية وهادئة، عبر منصات مثل "يوتيوب"، و"جوجل"، و"تويتر".
وبحسب التحقيق، تسعى إسرائيل إلى تحسين صورتها الدولية عبر حملة منظمة تستمر حتى نهاية عام 2025، تتضمن الترويج لمقاطع فيديو تُظهر أسواق غزة مزدحمة، ومطاعم مكتظة، وأطفالًا يضحكون ويتلقون المساعدات بسعادة، وذلك في محاولة لتقويض الروايات الأممية والدولية التي توثق واقعًا إنسانيًا كارثيًا نتيجة الحرب المتواصلة على القطاع منذ قرابة عامين.

60 مليونًا لـ"يوتيوب" و90 مليونًا لـ"جوجل": سوق التضليل مزدهر
وفقًا للعقود المنشورة، فقد تم توزيع التمويل على الشكل التالي:
- 90 مليون شيكل لإعلانات عبر "غوغل".
- 60 مليون شيكل لإعلانات على "يوتيوب".
- 10 ملايين شيكل لحملات عبر منصة X (تويتر سابقًا).
- 14 مليون شيكل على شبكات محتوى مثل Outbrain وTids.
وتستهدف الحملة الجماهير في دول مثل ألمانيا، إيطاليا، بولندا، فرنسا، اليونان، والولايات المتحدة، حيث يُعاد تدوير الرواية الإسرائيلية بأن "الحياة في غزة ليست بالسوء الذي يُروّج له".
لكن التحقيق يؤكد أن هذه الرواية تناقض تقارير الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية، التي وثّقت حالات المجاعة، وانهيار البنية التحتية، وجرائم الحرب المرتكبة ضد المدنيين في القطاع.
فاكهة وبيتزا وآيس كريم: كواليس مقاطع "الابتسامة الملفقة"
في إطار الحملة، بثّت إسرائيل مقاطع تظهر سوق غزة المركزي يعج بالخضروات والفواكه، إضافة إلى مطاعم تقدم البيتزا والشاورما والآيس كريم، في مشهد بعيد كل البعد عن طوابير الجوعى والدمار الشامل في الواقع.
كما تضمن المحتوى الدعائي لقطات لأطفال يتلقون طرودًا غذائية وهم يبتسمون، في مشهد وصفه البعض بـ"المصطنع"، ويهدف إلى تحييد صورة الاحتلال وإخفاء المعاناة الحقيقية.
لكن ورغم الإمكانات المالية الضخمة، أكد موقع "شومريم" أن الحملة فشلت في إقناع الرأي العام الدولي، بل تسببت في نتائج عكسية، مع تصاعد موجات الغضب والسخرية من هذه الدعاية الفجّة.
ردود فعل غاضبة: "دعاية مقيتة من دولة محتلة"
في بولندا، أعلنت "الوكالة الوطنية لمكافحة التضليل الإعلامي" أنها ستناقش هذه الإعلانات مع السفير الإسرائيلي في وارسو، بالتنسيق مع دول أوروبية أخرى، بعد أن أثارت الحملة استياءًا واسعًا بين المستخدمين.
وقال أحد رواد "ريديت": "رأيت هذه الإعلانات، وعلمت أنها من الخارجية الإسرائيلية. إنها مقززة وتشعرني بالغثيان".
وأضاف آخر: "سخيفة ومصنوعة بالذكاء الاصطناعي"، فيما وصفها ثالث بـ"الدعاية من دولة إجرامية".
كما اشتكى مستخدمون في إيطاليا وقبرص من ظهور الإعلانات بشكل متكرر على "يوتيوب"، وقال بعضهم إنهم أرسلوا طلبات لحظرها بشكل نهائي.
أكاديمية بريطانية: لا يمكن تزييف المجاعة
الدكتورة فيرا ميشلين شابير، مديرة التعليم في معهد "سيمبوزيوم" في لندن، وصفت هذه الحملة بأنها "واهية وسخيفة"، مؤكدة أن "مقاطع طهي الطعام أو عرض الخضروات في غزة لا تستطيع أن تدحض المجاعة الحقيقية التي تفتك بالأطفال والشيوخ والنساء".
وأضافت أن إسرائيل "تُصر على إخفاء الحقيقة وراء واجهة إعلامية مزيّفة"، لكنها لا تستطيع إنكار الأدلة التي تنشرها جهات دولية مستقلة.
مستشار وزاري سابق يقود الحملة من أمريكا
وفي تطور لافت، كشف "شومريم" أن الحكومة الإسرائيلية سجلت شركة في ولاية ديلاوير الأميركية، المعروفة بأنها ملاذ ضريبي، يديرها تزاتشي دابوش، المستشار الإعلامي السابق لوزير الاقتصاد الإسرائيلي نير بركات، لتنسيق العمليات الدعائية في الولايات المتحدة.
الشركة، بحسب وثائق أميركية، مكلفة بـ"إنشاء محتوى ترويجي وتفعيل حملات تأثير رقمي لتحسين صورة إسرائيل".
ورغم تواصل الموقع مع دابوش، أنكر معرفته بالشركة في البداية، لكنه امتنع عن الرد بعد إرسال وثائق التسجيل.
أما وزارة الخارجية الإسرائيلية، فرفضت التعليق رسميًا على ما ورد في التحقيق.
رواية اصطناعية تنهار أمام حقائق المجاعة والدمار
تبرهن حملة "غزة المبتسمة" على مدى استعداد إسرائيل لاستثمار الملايين لتزييف صورة واقع إنساني مأساوي.
لكن، كما يشير تحقيق "شومريم"، فإن التضليل الإعلامي له حدود، وحين تتصادم المقاطع الملفقة مع مشاهد الجوع والدمار، فإن الرأي العام يختار الحقيقة، لا البروباجندا.

